الرئيسية / المكتبة الصحفية / مكانة إبراهيم عبد الهادي في عصره

مكانة إبراهيم عبد الهادي في عصره

 

لم يعرف تاريخ مصر الحديث شخصية أسرعت بها أقدارها في الخير والشر على حد سواء على نحو ما حدث لإبراهيم عبد الهادي باشا، فقد كان هذا الرجل نموذجا بارزا لإسراع الأقدار به من حيث لا يدري هو ولا يتوقع أحد غيره. ولسنا بحاجة إلي التذكير بأن إبراهيم عبد الهادي كان رجل دولة من الطراز الأول، ولا أنه كان الرئيس الثالث لحزب الهيئة السعدية (المعروف اختصاراً بالحزب السعدي) بعد مؤسسيه الأولين أحمد ماهر باشا، والنقراشي باشا، ولا أنه هو رئيس الوزراء الذي عقدت في عهده اتفاقية الهدنة في “رودس ” مع إسرائيل (1949).

وقد وصل إلى رئاسة الوزارة في آخر يوم من 1948 ولم يكن من البعيد عليه أن يصل إلى رئاسة الوزارة بعد عشرة أعوام أو بعد عشرين عاما من وصوله إليها وليس في 1948 كما حدث، ولكن الذي حدث هو أنه كان الشخص الثالث في حزب السعديين أكبر أحزاب الأغلبية واغتيل الرجلان الأولان في خلال أقل من أربع سنوات (ماهر في فبراير 1945 والنقراشي في ديسمبر 1948)، وهكذا دفعت الظروف مرة بعد أخري بإبراهيم عبد الهادي ليكون رئيسا للحزب والوزارة.

ومن الجدير بالذكر أنه كان هو الذي ألقي خطاب العرش في وزارة صدقي في نوفمبر 1946، وهو ما يدل على أنه كان بمثابة الرجل الثاني أو الأول مكرر في هذه الوزارة، فإذا ما أضفنا إلى ذلك أنه كان واحدا من اثنين توليا رئاسة الوزارة بعد رئاسة الديوان في عهد الملك فاروق، أمكننا أن ندرك مدي ما وصل إليه من مكانة لم يبذل جهدا كبيرا في سبيل القفز عليها. أما على المستوي الدولي فقد كان إبراهيم عبد الهادي مع عبد الحميد بدوي ممثلين لمصر في المؤتمر التأسيسي لهيئة الأمم المتحدة، وهو المؤتمر الذي انعقد في سان فرانسيسكو 1945.

ولد إبراهيم عبد الهادي في فبراير 1898 في قرية الزرقا التابعة في ذلك الوقت لمركز فارسكور محافظة الدقهلية (وهي الآن مدينة وعاصمة لمركز جديد يتبع محافظة دمياط)، وهو ينتمي إلى عائلة المليجي، وكان والده من الأعيان، لكنه لم يعرف في التاريخ وأدبياته إلا باسمه المختصر: إبراهيم عبد الهادي.

كان إبراهيم عبد الهادي من أبرز الطلاب الذين شاركوا في الحركة الوطنية في ثورة 1919، وقد دفع به نشاطه وبلاغته وشخصيته إلي أن يكون أبرز زعماء الطلبة الثائرين وخطبائهم، وبسبب مشاركته في أحداث الثورة حكم عليه بالإعدام الذي خفف إلي السجن المؤبد في قضية المؤامرة الكبرى المعروفة باسم قضية عبد الرحمن فهمي، فقد اتهم هو وآخرون بالمشاركة في قتل ضباط وجنود إنجليز، ثم أفرج عنه سنة 1924 في أعقاب تشكيل سعد زغلول لوزارته بعد أن أمضي في السجن ٤ سنوات، وعندما حكم عليه بالسجن لم يكن قد أكمل دراسته بالحقوق، وبعد خروجه من السجن أكمل دراسته وحصل علي إجازة الحقوق (1925).

ثم قبض عليه مرة أخري وقضي في المعتقل ما يقرب من شهرين في أعقاب اغتيال السير لي ستاك (سردار الجيش المصري بالسودان) (نوفمبر 1924)، لكن التحقيقات لم تسفر عن اتهام محدد ضده فأفرج عنه، واستمر يؤدي دوره الوطني والحزبي بامتياز وتفوق وإخلاص حتى تولي الوزارة (1939)، ثم رياستها (ديسمبر 1948).

وقبل أن يتولى رياسة الوزارة حدثت مفاجأة غريبة وهي أن الملك فاروق كان قد أعجب بأدائه فجأة فاختاره رئيسا للديوان الملكي  1947، مع أنه كان الرجل الثاني في حزب السعديين وكان وزيرا للمالية في وزارة النقراشي، وقد كان هذا الاختيار محل اندهاش شديد من جميع الأوساط حتي إن النقراشي نفسه علي حسب ما يرويه كريم ثابت، وهو (أي كريم ثابت) شخص أقرب إلي التآمر، شك في دافع الملك إلي هذا الاختيار، وشكّ أيضا في أن يكون إبراهيم عبد الهادي قد تواطأ مع القصر في هذا القرار ، وقد ظل رئيسا للديوان الملكي حتي اغتيل النقراشي فجـأة فخلفه في رئاسة الوزارة، وقد شكل إبراهيم عبد الهادي الوزارة من مكتبه كرئيس للديوان، وهو الوضع الذي حدث مع علي ماهر من قبل، مع الفارق، وهو أيضاً الوضع الذي كان يتمناه أحمد حسنين فلم يظفر به.

ثم نأتي إلي الحظ السيء وهو يتدافع علي إبراهيم عبد الهادي في سرعة: فقد جاءت رئاسته للوزارة في أصعب فترة يمكن أن يواجهها أي سياسي حيث كانت قوة الإخوان الفاعلة في الشارع السياسي تتصاعد تصاعدا مذهلا، والمخابرات الأمريكية تحاربها بأقصى ما يمكن في صمت حربا لا هوادة فيها، وقد تم اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا في عهده، بل تم أيضا اكتشاف أمر جمال عبد الناصر وجماعته من الضباط الأحرار في عهده، ومع هذا فإن إبراهيم عبد الهادي لم يجد من الملك تقديراً ولا دعما للجهد الذي بذله في حفظ الأمن أو رياسة الوزارة.




وعندما قامت الثورة في ٣٢ يوليو 1952 كان إبراهيم عبد الهادي واحداً من السياسيين الذين قدموا لمحكمة الثورة (1953) لمحاكمتهم، وكانت التهمة الموجهة إليه إفساد الحياة السياسية واتباع أو ممارسة سياسة البطش في أثناء توليه رئاسة الوزارة ضد السياسيين المعارضين، وكذا ما أشيع عن دور وزارته في اغتيال الشيخ حسن البنا، وقد أصدرت المحكمة حكمها بإعدامه، غير أن الرئيس محمد نجيب رفض التصديق على الحكم وأبدله بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم إن رجال الثورة أفرجوا عنه (1954) لأسباب صحية.

هكذا تكثف سوء الحظ ضد إبراهيم عبد الهادي حتى حكم عليه بالإعدام، وهو حكم لم يصدر من قبل علي رئيس وزارة لكنه صدر ثم خفف، وشاء القدر أن يعيش إبراهيم عبد الهادي بعدها عمرا طويلا حتى امتدت حياته إلى قرب وفاة الرئيس السادات نفسه، وفي الفولكلور المصري الشائع أن محمد نجيب دعا ربه أن يمكنه من المشي في جنازة مَنْ ظلموه من قادة الثورة، وأن الله استجاب دعاءه، وأن إبراهيم عبد الهادي دعا الله أن يريه مصرع الذين ظلموه، وأن الله استجاب الدعاء.

هكذا وقد لقي إبراهيم عبد الهادي كثيرا من عنت الثورة بلا مبرر ظاهر، ويكفي، بالإضافة إلى صدور حكم بالإعدام عليه، أنه تعرض لكثير من الإيذاء والتضييق المتكرر، ويكفي أن نذكر أنه ظل يدفع إيجار بيته بالمعادي طيلة واحد وعشرين عاما حتى أمر السادات في مارس 1974 بإعفائه من دفع إيجار بيته (!!). وفي يونيو 1974 أفرجت الدولة عن ممتلكاته، وفي 3 يوليو 1975 كان واحدا ممن أعيدت إليهم أموالهم وممتلكاتهم.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

لقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :