الرئيسية / المكتبة الصحفية / مختار العطار.. الناقد الفني المقتدر

مختار العطار.. الناقد الفني المقتدر

 

أتيجت لي في نهاية القرن العشرين صداقة نادرة ودودة ودافئة بالأستاذ مختار العطار الذي كان أكبر نقاد الفنون التشكيلية المصريين في الربع الأخير من القرن العشرين، تعلمت منه الكثير واستنرت بفهمه وذوقه وطموحه النادر فقد كان بالإضافة إلي قدراته النقدية مؤرخا فنيا رفيع المستوي، وذلك فضلاً عن مواهبه الأصلية الأربع:

* الفنية مصوراً.

* الأدبية قاصاً.

* الصحفية كاتباً للمقال وسكرتيراً للتحرير.

* التربوية معلماً ودارساً ومخرجاً للكتب المدرسية.

ولد الأستاذ مختار محمد توفيق العطار في طهطا في صعيد مصر في 3 سبتمبر 1922، وتلقي تعليماً مدنيا، وأظهر تفوقاً في دراسته، والتحق بعد حصوله علي شهادة التوجيهية من القسم العلمي «الثانوية العامة» بقسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة، وقضي بها عاما واحدا (1939)، لكنه سرعان ما أدرك أن من الأفضل لموهبته الفنية أن يلتحق بمدرسة الفنون الجميلة، وقد تحول إلي الدراسة في هذه الكلية واختار الانتظام في قسم التصوير حيث مارس ما يسميه الرسم الملون، وتخرج في هذه الكلية (1947)، ثم التحق بمعهد التربية العالي للمعلمين الذي كان يؤهل خريجي الجامعات علي مدي عامين دراسيين للعمل في وظائف التدريس بالتعليم العام، وحصل علي دبلوم التربية العالي (1949)، وقد استهوته علوم التربية وعلم النفس فواصل دراساته في هذا المجال وحصل من هذا المعهد علي درجة الدبلوم الخاصة في علم النفس (1961)، وبدأ يعد رسالة الماجستير عن «العناصر العاملية للنشاط الإبداعي» بإشراف الدكتور محمد عماد الدين إسماعيل.

في مجال الكتابة بدأ مختار العطار حياته العملية صحفياً، وسرعان ما تفرغ للنقد الفني التشكيلي الذي أعطي له جهده وقد تميز نقده بالعمق في التحليل، والثقافة الفنية، والتاريخية، والاجتماعية العريضة، كما ظهرت في نقده وكتاباته دلائل وعيه العميق بالتيارات الفنية العالمية قديماً وحديثاً، ومتابعته الذكيرة للحركة الفنية في أوروبا وأمريكا. بدأ مختار العطار مشوار العمل الصحفي في دار النداء (1949): رساما ومخرجاً وكاتب قصة وسكرتيراً لتحرير مجلة «القصة» التي كانت تصدر بصفة نصف شهرية، كما عمل سكرتيراً لتحرير صحيفة «الجمعة»، وفي جريدة «صوت الأمة» اليومية الصادرتين عن نفس الدار التي كانت تدين بالولاء للوفد والحركة الوطنية.




وفي تلك الفترة نشر قرابة ثلاثين قصة قصيرة في كل من المجلة والجريدة، وقد نشر بعد ذلك قرابة خمسين قصة قصيرة في عدد من الصحف والمجلات، كان منها: قصص للجميع، روز اليوسف، صباح الخير، الهدف، المساء، وطني، وقد ترجمت إحدى قصصه إلى الفرنسية في كتاب «أنطولوجيا الأدب العربي» وقام بالترجمة الصحفي المصري راؤول مكاريوس، وقدم لها المستشرق الفرنسي جاك بيرك.

علي صعيد آخر كان مختار العطار من طلائع المثقفين الذين عملوا بالتليفزيون المصري (1961 ـ 1970)، وكان يسمي عند نشأته (ولفترة طويلة) بالتليفزيون العربي، وقد عمل في تحرير وإعداد البرامج الفنية وإلقاء الأحاديث، وقدم حوالي خمسمائة برنامج تليفزيوني باسم «الفن والحياة» وكانت مدة هذا البرنامج نصف ساعة، ثم قدم برنامج «العالم بالألوان» لمدة ساعة وربع الساعة، كذلك فإنه (1963 ـ 1966) أعد وكتب السيناريو وأخرج سبعة وعشرين فيلما سينمائيا تسجيليا (أوبتيكال 16مم) لحساب التليفزيون في سلسلة بعنوان «مع الفنانين العرب»، وقد تناولت هذه الأفلام مسيرة كبار ومشاهير رسامي مصر وملونيها ومثاليها: راغب عياد، وسيف وانلي، وجمال السجينى، وعبد العزيز درويش، وحسن محمد حسن، وشعبان زكي، وسعيد الصدر، وأحمد عثمان، وفؤاد كامل، وحسني البناني، وسعد الخادم، وحامد ندا، وصلاح عبد الكريم، وعبد الفتاح عيد.

ويري البعض أن هذه الأفلام تعد بمثابة الأفلام الوحيدة التي تصور هؤلاء وهم أحياء قبل أن ينتقلوا إلي رحمة الله، وقد شملت هذه الأفلام أيضاً كبار الفنانين الذين امتد العمر بهم بعد ذلك من أمثال: صلاح طاهر، وتحية حليم، وعفت ناجي، ومحمد حسين هجرس، وعبد السلام الشريف، وجاذبية سري، وحامد سعيد، وحامد عويس، وحسين بيكار. وفي 1970 أعد مختار العطار لمحطة الشرق الأوسط بالإذاعة المصرية برنامجا لمدة خمس دقائق يوميا بعنوان «فنون تشكيلية» من إخراج عبد الستار بدوي، وقد أعد من هذا البرنامج 230 حلقة.

ومع بداية عقد السبعينيات تفرغ مختار العطار للنقد الفني ومتابعة الأحداث الثقافية وتقديم تاريخ الفن في مصر والعالم، وقدم مجموعة من الدراسات والمقالات والتعليقات التي نشرها في صحف ومجلات: الإذاعة، المساء، روز اليوسف، الجمهورية، الطليعة. وفي هذه الفترة قدم مجموعة من المقالات المتتابعة كانت تنشرها جريدة «المساء» حتى توقفت باندلاع حرب أكتوبر المجيدة (1973)، كما عمل ناقداً فنياً في مجلة روز اليوسف.

وفي منتصف السبعينيات (1976) دعت الكويت مختار العطار للإشراف على الإخراج الفني للكتب المدرسية، وبقي يؤدي هذه المهمة حتى 1980، وفي هذه الفترة تابع نشر دراساته النقدية الفنية في صحف الكويت ومجلاتها، وبخاصة جريدة القبس، ومجلة الكويت، كما قدم عدداً من الأحاديث المذاعة في الراديو الكويتي، ثم عمل في مجلة الكويت الكويتية (1980 ـ 1981).

 

 

كذلك أسهم في مجلة العربي الصغير الكويتية الشهرية بسلسلة من الحكايات العلمية والفنية بعنوان «أصل الحكاية»، بالتعاون مع رسام الأطفال المعروف حسن حاكم المستشار الفني لمجلة «كاريكاتير». وقد نشرت له مجلة «الحرس الوطني» السعودية سلسلة من الدراسات حول تاريخ الفن. وبعد عودته من الكويت عمل مختار العطار ناقدا فنيا في مجلة المصور بمؤسسة دار الهلال (1981) حيث نشر دراسات في النقد وتاريخ الفنون، وأشرك القراء في الاطلاع على ما كانت تنشره المجلات والصحف العالمية الناطقة بالإنجليزية، من قبيل التنوير والارتقاء بالثقافة الفنية، كما قدم باباً صحفياً بعنوان «فنون جميلة.. نقد وتعليق» يتضمن متابعة نقدية للأحداث الفنية والمعارض الداخلية والخارجية، كالبيناليات والتربناليات والمعارض الفردية المهمة. وفي أخريات حياته عمل ناقداً فنياً ومستشاراً لمجلة «الشموع» القاهرية الفصلية.

وكما أسهم مختار العطار بالأحاديث والمحاضرات والندوات في عرض ومناقشة قضايا الفنون الجميلة والتشكيلية وتاريخ الفن، فإنه اشترك في لجان تحكيم المسابقات الرسمية، ووضع اللوائح والنظم للصالونات والمعارض العامة التي نظمتها وزارة الثقافة، كصالون الشباب، وبينالي القاهرة. وعلى مستوي الجمعيات الفنية أسهم مختار العطار في تأسيس جمعية نقاد الفن التشكيلي، واختارت الجمعية كتاباً له ليكون الأول في سلسلة نقد الفنون الجميلة.

وفي أخريات حياته، ورغم ضعف بصره، فإنه كتب أعظم أعماله وهو «موسوعة رواد الفن وطليعة التنوير في مصر»، وقد صدر هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، تعد موسوعة لتاريخ الفن المعاصر في مصر، ولسير أعلامه وإنجازاتهم. نال مختار العطار كثيراً من التكريم والتقدير ونال جائزة معرض الكتاب الدولي عن كتابه «دراسات في نقد الفنون الجميلة» بمناسبة اليوبيل الفضي لمعرض الكتاب، كما كُرم في المؤتمر العام الأول لنقابة الفنانين التشكيليين (1989)، وفي حفل افتتاح مكتبة الإسكندرية في أكتوبر 2001، وصدرت عنه دراسة مميزة بعنوان «مختار العطار ناقداً» بقلم المؤرخ الفنان الناقد أحمد رأفت. وتوفي الأستاذ مختار العطار يوم 3 يناير 2007.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات