الرئيسية / المكتبة الصحفية / كيف روى الرئيس نجيب قصة إقالة محمد رشاد مهنا؟

كيف روى الرئيس نجيب قصة إقالة محمد رشاد مهنا؟

روى الرئيس نجيب في مذكراته قصة إقالة محمد رشاد مهنا والدكتور محمد بهي الدين بركات باشا من مجلس الوصاية على العرش، والاكتفاء بوصي واحد هو الأمير محمد عبد المنعم ومن الإنصاف أن نقول إنه روى القصة بطريقة مشرفة للطرفين.  يقول الرئيس محمد نجيب في مذكراته التي حملت عنوان “كنت رئيسا لمصر”: “لم تمر عشرة أسابيع على تعيين رشاد مهنا وصياً على العرش، حتى وقع الخلاف…. فقد تجاوز رشاد مهنا حدود سلطته الدستورية، بالتدخل في شؤون تطهير الأحزاب والهيئات السياسية، وبالاتصال بالوزراء، وإقحام نفسه في شؤونهم، وبالاتصال برجال الصحافة، ومناقشة الأمور معهم والاعتراض عليها. كما أنه كان كذلك، يسعى لإحياء الخلافة الإسلامية، ليكون هو على رأسها.

“وفي شهر أكتوبر 1952، اتصلت به، في مكتبه بقصر عابدين، لتهنئته بمولود رُزق به، ولتحديد موعد أراه فيه، لتكون التهنئة مباشرة، وجهاً لوجه، فإذا به يصرخ في وجهي، ويقول: “أريدك أن تأتي إلى مكتبي في القصر، ومعك السيد سليمان حافظ، نائبك، لمقابلتي. كنت أيامها رئيساً للوزراء. وتعجبت من هذا الاستدعاء، وعلى الرغم من ذلك، قررت أن أستجيب له؛ لأنه صادر من أحد الأوصياء، الذين لهم، بحكم مناصبهم، اتخاذ مثل هذه الخطوة. وتوجهت فعلاً أنا وسليمان حافظ، إلى القصر، وقابلت رشاد مهنا في مكتبه، أكثر من ساعة. كان ثائراً جداً، يتحدث إلينا في عنف، ويضرب المكتب بقبضة يده، ونحن نسمع ولا نعلق”.

“قال رشاد مهنا: “أنني أحب أن تعرف أن رشاد مهنا ليس بصمجياً، إنني لا أقبل أن أجلس هنا، أوقع المراسيم التي ترسلونها إلينا فحسب. إنني ألاحظ أن الوزارة تتخذ خطوات كثيرة، لا أعرف عنها شيئاً، ولا يعرض علىَّ أية تفصيلات. إنك يا نجيب تستقبل ستيفنسون، (السفير البريطاني)، وكافري، (السفير الأمريكي)، وتستدعي من السودان أقطابه، وتتباحث مع الجميع، من دون علمي، مع أنني واحد منكم، ولا بد أن يؤخذ رأيي في كل شيء.

“قلت له في هدوء: “أنت ثائر الآن، وأنا أفضل أن أتركك، بضعة أيام، حتى تستعيد هدوءك”. لكنه ازداد انفعالاً وقال، في ثورة شديدة: اعلموا أنني لن أكون طرطوراً. حاولت أن أوضح له الأمر، عندما انتقلت إلى مكتب الأمير محمد عبد المنعم، ومعنا بهي الدين بركات، لكنه أصر على موقفه، وشاركه بهي الدين بركات”.

“حاولت توضيح الموقف الدستوري لهم، لكنهما لم يقتنعا. وأصر رشاد مهنا على أن يقدم استقالته. وبقي الأمير محمد عبد المنعم صامتاً. وأعلن بهي الدين بركات أنه سيستقيل هو الآخر. فاتخذنا قراراً بإقالته، وتحديد إقامته. واقترحت، على مجلس الوزراء، أن نكتفي بوصي واحد، هو الأمير محمد عبد المنعم، ووافق سليمان حافظ، وقال:

“لا مانع من الناحية القانونية، إذ أن من السهل تعديل الأمر الملكي رقم 25 لعام 1923، والذي يقضي بأن يكون مجلس الوصاية مشكلاً من ثلاثة أعضاء. وفي جلسة واحدة، أخذنا الموافقة على إعفاء رشاد مهنا. وتعديل الأمر الملكي. وفي 14 أكتوبر 1952، أذعت البيان الخاص بإعفاء رشاد مهنا، والذي جاء فيه:

“لقد قام الجيش بثورته، وكان أول أهداف الثورة، القضاء على الطغيان، فأقصت ملكاً طاغياً، لا يحترم السلطات، دائب التدخل في شؤون الحكم. ويؤسفنا، وقد رشح الجيش أحد ضباطه، القائمقام أركان حرب محمد رشاد مهنا، في مجلس الوصاية المؤقت، وطلب منه أن يلتزم حدود وظيفته، كوصي، لا دخل له بشؤون الحكم. فأخذ تارة يتصل بالوزراء، طالباً إجابة مطالب شتى، أكثرها وساطات، ومحسوبيات.




 

وتارة أخرى يتصل برجال الإدارة. وتمادى إلى أن حدث، يوماً، أن أمر بمباشرة إيقاف إصدار إحدى الصحف. بل وسحب رخصة أخرى. وقد نُبِّه، المرة تلو المرة، ولكنه تجاهل ما كان يُوجَّه إليه من نصح وإرشاد؛ فحدث أن سمح لنفسه بأن يعارض، علناً، قانون تحديد الملكية الزراعية، رغم علمه التام بأن القانون هو حجر الزاوية، في الإصلاح الشامل، الذي تريده الأمة، والجيش، وقيادته، التي قامت بتوجيه الحركة. بل وبلغ به التمادي، فأخذ يدلى بالتصريحات العامة للصحف، والمجلات المصرية، والأجنبية، وبعض هذه التصريحات من صميم سياسة الدولة، وهذا ما لا يجوز بحال أن يصدر من وصي على العرش. فتناول موضوع السودان، ومواضيع شتى داخلية، وأخذ يتصل بدور الصحف، موحياً إليها القيام بدعاية واسعة النطاق له. ودأب على بث روح التفرقة، حتى خيل للبعض أن هناك جملة اتجاهات للجيش، وليس اتجاهاً واحد قوياً، نحو غاية مرسومة.

ولقد تحملت القيادة العامة تصرفاته هذه، على مضض أسبوعاً تلو أسبوع، إلى أن تقدم حضرته، رسمياً لنا بطلب تدخله الفعلي في كل أمر من أمور الحكم. ومن ذلك ظهر لنا، بوضوح، أن حضرته لم يستطع التمشي مع أهداف الحركة، والسير على مبادئها المرسومة. لذلك قررنا إعفاءه من منصب الوصاية على العرش. وليعلم الجميع أن هذه الحركة قائمة على المبادئ، ولم تقف في سبيلها نزوات أشخاص، أو أطماع أفراد. والله ولى التوفيق”.

ثم يظهر الرئيس نجيب ما يبدو أنه الندم على تورطه في هذا القرار الذي مهد لانفراد عبد الناصر بالسلطة: “واختفى بهذا البيان رشاد مهنا نهائياً من الحياة العامة. وعلى الرغم من ذلك، فإنني أسجل إعجابي واحترامي لرشاد مهنا. لا يمنع أن أذكر أنه كان ضحية مثلي؛ فقد أراد جمال عبد الناصر ومجموعته إبعاده، في منصب شرفي، (منصب الوصي) عن القيادة، وعن السلطة الفعلية، وعندما غضب، سارعوا بإبعاده. أكلوه لحماً ورموه عظماً، كما فعلوا بي، بعد ذلك، تماماً. أما رشاد مهنا فيقول فيما روي عنه: “أنا الذي أقلت نفسي، ولم يقلني جمال عبد الناصر. وأعطيت صورة من استقالتي لبهي الدين بركات، والأمير محمد عبدالمنعم وقد علموا بذلك”.

 

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات