الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / تاريخ أستاذية الأدب العربي في عصرنا الحديث

تاريخ أستاذية الأدب العربي في عصرنا الحديث

 

يبدأ تاريخ مؤرخي الأدب أو تاريخ أستاذية الأدب أو تاريخ أستاذية تاريخ الأدب، بالأستاذ الشيخ سيد علي المرصفي. وهو أستاذ ابن أستاذ، وهو أستاذ الجيل الذي نال هذا اللقب قبل أحمد لطفي السيد، فإذا كان أحمد لطفي السيد أستاذ الوجاهة في المجتمعات الثقاقية؛ فإن سيد المرصفي هو أستاذ الوجاهة في معاهد العلم لأنه كان الأستاذ الأكاديمي المعلم الموجه المهذب الدال على الصواب، وعلى المنهج، وعلى مصادر العلم ومصادر النقد ومصادر التصحيح. ولد الشيخ سيد علي المرصفي عام 1857، أي أنه يكبر الزعيم سعد زغلول بعامين على أرجح الأقوال في مولد كل منهما، وجعل حياته كلها للعلم على طريقة العلماء المتصوفين المتفرغين الزاهدين الذين يغرهم العلم بالعلم ويغريهم به.

كان وجوده، مجرد الوجود في حد ذاته، في صحن الجامع الأزهر أو في حرم تلك الجامعة المصرية الوحيدة المتاحة في الأزهر وما حوله، هو السبب الرئيسي وربما الوحيد في إقبال الأزهريين أو أساتذة المستقبل على الأدب وعلى دراسته، وفي تفضيل كثير من هؤلاء لدراسة الأدب على دراسة العلوم الأخرى؛ لأنهم كانوا يرون في دراسة ما يحاضر فيه الأستاذ المرصفي حياة حية تغريهم بالاضطراب فيها يوما بعد يوم، وتغريهم أيضًا بالتفرغ لها بعد ذلك.

وعلى هذا النحو نفهم غرام طه حسين وأحمد حسن الزيات وغيرهما بالأدب، نفهمه كرد فعل عميق لهذا الشعور الأخاذ الذي كان لا يفتأ يقتنصهم وهم يعودون من طريقهم إلى سيد المرصفي، ويجتذبهم وهم يذهبون إليه، ويتملكهم مرة أخرى وهم يعودون إلى هذا الطريق مرة بعد أخرى وقد أحبوا أن يعودوا إليه مرة بعد أخرى. بالطبع سوف يكون لسيد المرصفي بإذن الله حديث مطول نتحدث فيه عن حياته وفضله وإنتاجه.

تأتي النقلة الثانية في تاريخ أستاذية تاريخ الأدب على يد الدكتور أحمد ضيف الذي كان مبعوث الجامعة المصرية القديمة إلى باريس لدراسة الأدب والعودة للاضطلاع بتدريسه، ومن المدهش أن نكتشف أن هذا الأستاذ العظيم قام بدوره على أقوى وأكمل ما يمكن، فقد فعل كل ما هو مطلوب منه أكاديميا وعلميا، وانتقل فضله وبقي هذا الفضل على مدار الأجيال، ولم يستطع أحد من اللاحقين به، بل لم يستطع أبرزهم، وهو الدكتور طه حسين نفسه، أن يزيحه من مكانه من الأستاذية السابقة حتى وإن أزاحه عن الوظيفة، كما هو معروف.

أذكر ثلاث لقطات مؤثرة في اعتراف أساتذة الأدب بفضل هذا الأستاذ:

الأولى: للدكتور شوقي ضيف حين كنا في لجنة الأدب في مجمع اللغة العربية وأردنا ضبط تعريف أحد المصطلحات بما هو متاح لنا وأمامنا، وإذا بالدكتور شوقي وهو رئيس المجمع ورئيس اللجنة يشير إلى ضرورة الاستعانة بالصياغة الأولى التي صاغها الدكتور أحمد ضيف في أول كتاب عربي تناول الظاهرة. كتبت الجملة السابقة على وجه العموم ومن دون تحديد للمصطلح عن قصد لأن هذا التوجيه تكرر في أكثر من مصطلح وليس في مصطلح واحد. وكان شوقي ضيف نفسه الذي استصفي واستقطر جهود الأولين يفعل هذا مع أحمد ضيف دون أي تفضل أو استعلاء.

الثانية: حدثت قبل هذا، حين أراد الدكتور أحمد هيكل تخصيص حلقة من حلقات “شخصيات أدبية” التي كان قد بدأ كتابتها في الأهرام، للدكتور أحمد ضيف فإذا هو بهداية الله يجعل جوهرها للدكتور أحمد ضيف وأولياته مشيرًا إلى سبق الأستاذ أحمد ضيف في كل ما هو ممكن من آفاق ومؤكدات أستاذية الأدب.

الثالثة: حدثت في مناقشة لي مع الدكتور الطاهر مكي حول ما اكتشفته من وجود حلقات في مجلة الثقافة من رواية أحمد ضيف عن تعرضه للغرق في رحلة بحرية، وعن المستوى الذي تمتعت به كتابة هذا الرجل عن ذاتياته، فإذا به ينبهني إلى أن أحمد ضيف كان سابقًا على طه حسين في التجربة الذاتية التي اقتحمها طه حسين بعد أحمد ضيف. سوف يكون لأحمد ضيف بإذن الله بالطبع حديث مطول نتحدث فيه عن حياته وفضله وإنتاجه.




تأتي النقلة الثالثة في تاريخ مؤرخي الأدب بإزاحة طه حسين لأحمد ضيف، وهي نقلة معروفة الأثر عند الجميع، وإن لم تكن قصتها معروفة بالكامل، لكنها كانت أثرًا من آثار السياسة العاصفة التي كان لا بد لها أن توجد في كيان علمي جديد أصبح يتبع الحكومة بعد أن كان حرا، فلا بد لرأس الحكومة (وهو الملك) أن يضع بصمات اختياره عليها، ومن المفارقات التي لا تتكرر كثيرا في تاريخ الأمم والحضارات أن الملك فؤاد نفسه كان هو الذي تسلم الجامعة المصرية القديمة وسلمها، فقد كان هو الملك الذي استصدر منه قرار إنشاء الجامعة المصرية (الجديدة) وكان هو نفسه باعتباره رجل مجتمع مدني هو رئيس مجلس إدارة الجامعة المصرية (القديمة).

وقد أتاحت ثنائية التسليم والتسلم للملك فؤاد أن يتدخل بنعومة في هيكل الجامعة الجديدة أو كادرها وكان أبرز تدخل له هو أنه حين نُقل طه حسين من الجامعة الأهلية القديمة التي كان على قوتها إلى الجامعة الحكومية الجديدة نجح في أن ينقله على درجة أستاذ وليس على درجة مدرس كما كان متوقعا، وهكذا نال طه حسين الأستاذية الرسمية مباشرة من دون حاجة إلى ترقيات وذلك بفضل الملك فؤاد وإن كان قد نال الأستاذية العقلية من قبل بفضل جهده هو وتلمذته للأستاذ المرصفي وبعثته وعلمه وشخصيته ……الخ.

على أن هذا التصرف الملكي حدث على نحو أحادي النظرة فلم يكن يهم الملك فؤاد ولا من هو في مكان الملك فؤاد أن يُظلم الأستاذ الأكاديمي المتفرغ لعمله والمخلص له والذي يكبر طه حسين بعقد من الزمان (أحمد ضيف ولد 1880 بينما ولد طه حسين 1889). وإنما كان الملك فؤاد شأن رجال الدولة الأذكياء منحازًا إلى ما يرى ويعتقد في لحظة ما يتخذ فيها قرارا ما.

النقلة الرابعة جاءت على يد طه حسين نفسه حين وفقه الله أن يرشح أحمد أمين ليزامله في أستاذية الأدب وليضطلع بالدور طويل النفس في صياغة هذه الكتب العظيمة التي تمثل القاعدة الفكرية المطلوبة لدراسة أدب الأمة الإسلامية وحضارتها على هذا المستوى الأكاديمي الحديث.

ولولا جهد أحمد أمين الحثيث على مدى تلك العشرين عامًا لعاشت دراسات الأدب العربي مضطربة الهوى والعلاقة بالحياة السياسية والعقلية والفكرية. ويكفيني في هذا المجال أن أشير في سرعة إلى ما نراه من الأخطاء الفادحة والفاضحة التي وقع فيها الكثيرون من الباحثين الذين اقتحموا مجالات الدرس الأدبي من دون أن يقرأوا أحمد أمين أو يهضموه، فقد جعلوا السبب نتيجة والنتيجة سببًا؛ لأنهم لم يدركوا الجوهر في تطور الحياة العقلية وما اكتنفها من الاستزادة والتوسع والتطور والانحراف والانحياز والاصطباغ بالسياسة والمذهبية والعقائد والمذاهب والفرق …إلخ. كانت هذه المرحلة الرابعة التي اضطلع بها أحمد أمين اضطلاعا يكاد يكون كاملا بمثابة الأساس الذي لا يمكن لأي مبنى أن يقوم أو يرتفع بدونه.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

لقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات