الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / السلطة الدينية والعلاقات الخارجية في فكر محمد عبده

السلطة الدينية والعلاقات الخارجية في فكر محمد عبده

كان من جوانب التفوق العديدة للشيخ محمد عبده كمفكر سابق في عصره وكمفكر سابق لعصره تناوله الذكي لقضية السلطة الدينية وتناوله الأذكى لعلاقة المسلمين بغيرهم. نبه الإمام الشيخ محمد عبده إلي موقف الإسلام من السلطة الدينية، وعبر بألفاظ صريحة واضحة وقاطعة عن موقف الإسلام من السلطة بأنه “قلب هذه السلطة وهدمها ومحا أثرها”، ويبدو محمد عبده حريصا على هذا المعني حرصا شديدا، مع أنه كان في إمكانه أن يستخدم عبارات من قبيل ترشيد السلطة وتهذيبها أو تطويرها أو الرجوع بها إلى أصلها.. إلخ.

لكن محمد عبده بذكائه اكتشف أن جوهر الإسلام لا يخرج عن الحرص على هدم هذه السلطة، وهو المعني الذي نصت عليه نصوص قرآنية كثيرة جعلت الإيمان كفيلا بأن يعتق المؤمن من كل رقيب عليه، ويجعل علاقة الإنسان بالله علاقة مباشرة ليس فيها رق ولا عبودية ولا وصاية ولا وساطة ولا تجسس ولا تتبع للعورات، وإن كان فيها نصح وإرشاد، ودعوة وإنذار، وسؤال وجواب واستيضاح.

ومع هذا كله فإن هذا الأستاذ الإمام كان ينبه إلى أن الإسلام كان ذا حدود وذا حقوق وذا قوة لإقامة الحدود وتنفيذ الحكم القاضي بالحق، كما أنه حريص علي صيانة نظام الجماعة، لكن الخليفة أو السلطان الذي يقوم بهذه المهمة لا يكتسب منها معصومية، ولا انفرادا بالرواية والتفسير، مع أن الاجتهاد شرط من شروط اختياره حتي يتمكن بنفسه من التمييز والعدل، لكنه يظل مع ذلك واحدا من أولي الفهم لا يمتاز عنهم بسبب توليه السلطة، حتي إن طاعته لا تجب إلا طالما كان ملتزما بالمنهج، فإن فارق الكتاب والسنّة وجب استبداله إلا إذا كان في هذا الاستبدال مفسدة تفوق المصلحة، وفي هذا كله فإن الإسلام يؤمن بالنظم المدنية في تناول السلطة ثم في تداولها.

لذلك فإن الأستاذ الإمام في تناوله لهذا الأصل من أصول الإسلام كان حريصا علي نفي فكرة الثيوقراطية (الحكم الإلهي) عن خلفاء المسلمين، وهو يقيم أدلته القوية على أن هذا الوصف لا ينطبق أبدا على الخلافة الإسلامية على نحو ما تضمنتها فلسفة الإسلام ونظمه. وقد حرص الأستاذ الإمام علي تناول فكرة التسامح في الإسلام من خلال البحث عن فكرة أعمق، أو عن أصل أكثر أصالة وهو حماية الدعوة لمنع الفتنة، وفي هذا الصدد فإن محمد عبده قرر بكل وضوح أن القتل ليس في طبيعة الإسلام، وإنما العفو والمسامحة، وأن الفتوح الإسلامية لم تأخذ بما أخذت به الفتوحات المسيحية من قتل الشيوخ والنساء والأطفال، ولا هي أخذت بفكرة حروب الإبادة.

وعقد الأستاذ الإمام ما أسماه مقارنة بين الإسلام والمسيحية منبها إلى كثير من الحقائق التي حاول أعداء الإسلام تصويرها على خلاف الواقع والتاريخ، ومن ذلك لفته النظر إلى أن الإسلام كان يدخل الأرض المفتوحة تحت سلطانه مع ترك حرية العقيدة للناس، كذلك فقد كان قادة المسلمين يجلّون العُباد المتفرغين للعبادة ويوصون باحترامهم واحترام حقوقهم.

وفي مقابل ذلك فإن ما سمي بالمسيحية السلمية كانت تري أن من حقوقها القيام على دين من يدخل تحت سلطانها ومراقبة أعمال أهلها، ولم تكن تعرف الاستثناء في هذا إلا للمجتمعات كثيرة العدد، أو شديدة العضد.. وهكذا.. وهكذا. وينبه الشيخ محمد عبده إلي الحديث عن ملامح أصل مهم من أصول العقيدة الإسلامية، وهو ما يسميه «مودة المخالفين في العقيدة»، ضاربا على هذا المثل بما نعرفه من أحكام الإسلام في المصاهرة على سبيل المثال، وهو ينبه إلى أن حقوق الزوجة الكتابية لا تقل عن حقوق الزوجة المسلمة، لافتا النظر إلى أن هذا الوضع المثالي لا يزال مفتقدا فيما بين الطوائف المسيحية بعضها وبعض.

وفي حديثه عن الأصل الثامن للإسلام الذي يطلق عليه «الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة»، عمد الأستاذ الإمام في ذكاء شديد إلي عقد المقارنة الفارقة بين تعاليم الإسلام والمسيحية في هذا الشأن، لافتا النظر إلى أن صاحب الدين الإسلامي (صلي الله عليه وسلم) لم يقل «بع ما تملك واتبعني»، وإنما قال: «إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، وهو يشير إلى مظاهر يسر الإسلام في الصوم، والوضوء، والغسل، والقيام، والسعي إلى الجمعة، وإلى ما أباحه الدين الإسلامي من نعيم، وزينة، وإنفاق، وحفظ للدين.




ويضمن الإمام محمد عبده حديثه عن هذا الأصل ما تميز به الإسلام من النهي عن الغلو في الدين، وحرص الإسلام علي حقوق الحواس، وكمال الروح، والجمع بين العناصر الحقيقية للإنسان بعيدا عن فكرة “الملكوتية”، والقدرة على أن يكون الإنسان من أهل الدنيا والآخرة معا، وهو يؤكد كذلك أن الإسلام حريص على الغريزة حرصه على الرقي بالإنسانية. وقد وصل الأستاذ محمد عبده بعد هذا كله إلى ضرب أمثلة حية من التاريخ على مردود هذه التربية الإسلامية في علاقة المسلمين بالعلم والتفكير، ثم اشتغالهم بالعلوم الأدبية والعقلية.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

لقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات