الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / الثورات العربية المضادة والخروج البريطاني

الثورات العربية المضادة والخروج البريطاني

 

كان العداء الصريح للحركات الإسلامية من الخصائص والسمات الجوهرية التي استندت إليها الثورات المضادة للربيع العربي، في تقديمها نفسها للمجتمعات الأوروبية فيما خلف الأبواب المغلقة.

وقد وصلت هذه الثورات المضادة -في هذا السبيل- إلى نقاط خطرة على مستقبلها هي نفسها؛ فقد أعلنت ممارساتها بوضوح أنها -من أجل بقائها في السلطة- لا تجد أي مانع في أن تخاصم الذات، وأن تنفي الهوية بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك التصفية الجسدية للجموع وليس للأفراد فحسب.

ومع أن خبراء السياسة الأوروبيين -بحكم ثقافتهم- كانوا يعلمون أن هذا التوجه محكوم عليه بالفشل المؤكد لأنه ضد طبائع الأشياء؛ فإنهم لم يجدوا غضاضة في أن يشيروا على أصحاب القرار في دولهم، بأنه ليس هناك ما يمنع الحكومات الأوروبية من أن تستفيد من بعض الفرص المالية السانحة، المرتبطة بمثل هذه الموجة العابرة (أو المؤقتة) من التوجه الحاكم لهذه الثورات العربية المضادة، بما لا يبدو تخليًّا تاما عن القيم الإنسانية والأوروبية.

وذلك من قبيل الاستجابة للتودد العربي المفاجئ المعبّر عن نفسه في طلبات توريد السلاح، بكل ما يؤمّنه هذا التوريد من توفير السيولة وزيادة الوظائف وفرص العمل، وتصريف الراكد، وتجديد المصانع.. إلخ.

وذلك مع الحرص الذكي على إبقاء مثل هذه السياسات البراغماتية في حدود خُلقية آمنة، كأن تصوّر الصفقات على أنها تعاون عسكري محوري لا يرتقي إلى درجة التحالف السياسي، وأن التعاون العسكري يستهدف الإرهاب لا القمع، وأنه يحقق الأمن الأوروبي بطريقة أو أخرى. وكلها -كما هو معروف- دعاوى سهلة الإثبات أو الترويج إعلاميا.

في هذا السياق؛ حدثت نقطة بارزة مثلت تاريخا مفصليا حين أسفرت نتائج لقاء وزيريْ خارجية السعودية والإمارات برئيس إحدى الدول الأوروبية عن إعلان النجاح الصريح بل والمدوي لهذه السياسة، وخاصة أن الموقف الدبلوماسي تجاه الاعتراف بالانقلاب العسكري المصري تغير 180 درجة عقب هذا اللقاء مباشرة.

لكن هذا النجاح الظاهري جلب نوعا من السخط الأوروبي المبطن والمبرر فيما يتعلق بالضجر من تزايد سطوة المال العربي على القرار السياسي الأوروبي، حتى ولو كانت النتيجة تصب في مصلحة أمنيات مكبوتة ضد كل حركيات الإسلام السياسي، وفي صالح ما روجت له سياسات الإسلاموفوبيا.

وسرعان ما تحوّل كثير من تلك الهمهمات الأوروبية إلى علامات استفهام كبيرة عن حدود وقيود (أو ضوابط) التورط الأوروبي القادم في المنطقة العربية (في ليبيا مثلا)، وهو تورط زادت فرصه مع بروز ظاهرتيْ الانكماش الأميركي المبرر والاقتحام الروسي الممرر، وما استتبعته هاتان الظاهرتان من حتمية التورط أو الوجود الأوروبي.

ومن المذهل أن الروح الديماغوجية سيطرت على الأحداث بأكثر مما بدا من أن البراغماتية ستكون هي سيد الموقف، وخاصة بعد ذلك التحول الذي كرسته الصفقة التي عقدها وزيرا خارجية الدولتين المفرطتين في الثراء، فضلا عن استمرار دورهما الركين في الإنفاق السخي والمتواصل على الثورات المضادة.

كيف أمكن للديماغوجية أن تنتصر على البراغماتية؟ ربما يدهش القارئ إذا علم أن الديماغوجية قدمت نفسها على أنها طراز متقدم من البراغماتية العصرية، ومثلاً فإن الخروج البريطاني نفسه (المعروف اختصارا بـ”البريكست”) كان مثالا بارزا لهذا الانتصار الديماغوجي على النهج البراغماتي، وقد حدث هذا الانتصار في معقل الحكمة السياسية الأوروبية نفسها أي في المملكة المتحدة.

وإذا ببريطانيا العظمى قد ورطت نفسها في إيذاء نفسها دون أن تشعر، حتى وجدت نفسها فجأة تخاصم تاريخها وإنجازاتها واقتصادها، وتندفع إلى موجة من موجات التحفظ على الاتحاد الأوروبي في ظل مناخ مفاجئ بالمشحونية السيكولوجية، وقد بدا الرأي العام البريطاني وكأنه قد تأثر لتوه بمردودات تعبيرات غير دبلوماسية، كانت في الأصل ردودا فردية عابرة تختلف في جزيئة ما مع الدبلوماسية التركية الساعية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وتدعمت هذه التعبئة بالمناخ العام المشحون بما توفر له من خوف مشروع من موجات هجرة عربية، نتيجة عنف الانقلاب المصري ودمويته، وتداعيات البطش الحكومي السوري بالثورة السورية.

وفي ظل حرص بريطانيا المفهوم على النأي بالنفس عن أن تكون طرفا في صراعات تميل موازين القوة فيها لأطراف غير ديمقراطية، فإنه لم يكن أحد بغافل عن السبب العميق في تصاعد هذا التوجه البريطاني المفاجئ ضد البقاء في الاتحاد الأوروبي

وهو أن البريطانيين كانوا -كما يعلم الجميع وكما لا تزال الصورة قائمة- يعانون معاناة معلنة -وليست مكتومة أو صامتة- من المعقبات المزعجة، المترتبة على التزامهم بتوفير الإقامة الشرعية في بلادهم لأعداد كبيرة من رعايا أكثر من دولة شيوعية سابقة، أصبحت عضوا في الاتحاد الأوروبي مع بقاء فقرها وبطالتها.

وكما أشرنا لتونا؛ فإن معاناة الشارع البريطاني لم تكن سرًّا ولا أمرًا مكتوما، وإنما كانت الشكوى المتكررة منها ناطقة ومطروحة على بساط البحث.




فلما حدث الانقلاب العسكري المصري وما واكبه من تحول دفة المعارك في سوريا إلى مصحة نظام بشار الأسد، ومن ثم زيادة أعداد النازحين واللاجئين والهاربين من المأساة السورية؛ صوّر الإعلام الخادم للمصالح الصهيونية للبريطانيين أن سياسة الاتحاد الأوروبي ستجبرهم على قبول ملايين من مصر وسوريا واليمن وليبيا، بحكم ما عُرف عن السياسة البريطانية من التزام كبير بحقوق الإنسان.

ومن ثم فإن مصلحتهم كبريطانيين تتمثل في الخروج السريع من الاتحاد الأوروبي، قبل أن تجبرهم قوانين الاتحاد أو سياساته على استقبال حصة كبيرة من المهاجرين الذي سيصلون إلى سواحل أوروبا الجنوبية.

كانت البروباغندا العالمية تعمل -بكل وسيلة- على تقوية الخوف من هذا الهاجس الذي لم يكن يفتقر إلى ما يدعمه من ظواهر مادية على وجه الأرض، ولم تكن الفضائيات تبخل بتكرار التخويف من طوفان المظلومين القادم.

وخاصة مع الموقف المراوغ الذي بدأت أميركا تعزف عليه مرة بعد أخرى، معتمدةً على ما سبق لبريطانيا نفسها أن قررته -من خلال برلمانها- من عدم الموافقة على المشاركة العسكرية في تأديب بشار الأسد، على ما عُرف من ارتكابه للمذابح الكيميائية البشعة.

وجاءت حُمّى الحديث عن زيادة معدلات الهجرة الهاربة من جحيم الثورات المضادة في الشرق الأوسط، لتؤجج هواجس البريطانيين الذين قُدّر لهم أن يعانوا مما كانت تستهدفهم به المليشيات الإعلامية والدبلوماسية، الممولة من الدولتين العربيتين فاحشتيْ الثراء.

وقد تبلورت دعاوى هذه المليشيات في اتهامات مضحكة وسفيهة لبريطانيا بأنها -من خلال حمايتها لحقوق الإنسان- تدعم الإرهاب الإسلامي.

وبلغ الأمر في هذه الحملة حدودا تعدت الافتراء والتلفيق إلى اختلاق مقولات ونسبتها إلى مسؤولين بريطانيين، وذلك من قبيل ما نسبه إعلاميو الثورة المضادة زورًا إلى رئيس الوزراء البريطاني من القول بأنه توصّل أخيرا إلى عقيدة، مفادها أنه لا محل إطلاقا للحديث عن أي حقوق للإنسان إذا ما تعلق الأمر بالأمن القومي البريطاني!!

وزاد في هواجس البريطانيين أن مؤشرات سياسة الاتحاد الأوروبي بدأت تدل على استحالة تبني موقف واضح من تطورات قضية الهجرة. فبينما كانت دولة السويدوحكومتها في قمة حكمتها وإنسانيتها؛ كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مضطربة بسبب الضغوط والدعايات السود، و كان الزعيم المجري يحرض على المسلمين بصراحة جارحة للإنسانية، وبدأ الموقف الفرنسي يرتبك.

وكانت الدولتان العربيتان الممولتان للثورة المضادة تضغطان بكل وسيلة على رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون، للموافقة على بدء سياسات خبيثة إن لم تكن إجرامية تستهدف في النهاية إبادة المسلمين أرضا وبحرا وجوا مع تكفلهم بالفاتورة.

وهكذا اندفعت النفسية البريطانية -على حين غفلة من عقلها الواعي لمصالحها- إلى الموافقة الشعبية على قرار “البريكست”، الذي جاء نتيجة مباشرة غير معترف بها ولا بتسبيبها الحقيقي لأكبر انتصار حققته الثورات المضادة للربيع العربي، وهو الانقلاب العسكري المصري في يوليو/تموز 2013.

في أعقاب الاستفتاء؛ بدت الصورة خادعة بعض الشيء وكأن بريطانيا نجحت -بقرار الخروج- في أن تجنب نفسها معاناة قادمة، وأنها استشعرت الخطر ونجت منه، وأنها ستعود إلى حالة من تأنق أرستقراطي لا يختلط بقوميات أوروبية متعددة، ولا بلغات محلية، ولا بعواصم ريفية، ولا باقتصاديات منهكة، ولا بسياسات مضطربة من قبيل سياسات اليونان التي تعرف الإنفاق ولا تعترف بالادخار.

لكن الحقيقة سرعان ما ظهرت للجميع بارزة الأنياب الحادة؛ فقد اكتشف البريطانيون أن صورة المشكلات التي دعمت قرار “البريكست” كان مبالغا فيها.

وعلى سبيل المثال؛ فإن البيانات الداعية إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي كانت تنقل وتضخّم مخاوف المجريين من طغيان تيار الأسلمة، إذا بدأت هجرة العرب المسلمين المعانين من بطش العسكر، على حين أخفى الساسة المتحمسون أرقام الهجرة العكسية بسبب عودة الأتراك لبلادهم، بعد تحسن ظروفها التنموية في ظل حكم يوصف بالأسلمة، وهو حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

واليوم تعود بريطانيا لتواجه الحقيقة مرة أخرى بعد أن انقشع غبار الفضائيات والإسلاموفوبيا، فتكتشف مدى الضرر الذي حاق بها من مجاملاتها المبررة (أو غير المبررة) لدولتيْ الثورة المضادة العربيتين.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

ولقراءة المقال من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com