الرئيسية / المكتبة الصحفية / فؤاد سراج الدين.. ملك التحالفات السياسية!

فؤاد سراج الدين.. ملك التحالفات السياسية!

كان الساسة الذين لا يرتاحون إلى فؤاد سراج الدين يميلون إلى وصفه بالقول المتداول في التقليل من شأن الزعماء وهو أنه كان رجل سياسة أكثر منه رجل دولة، لكن مرور الزمن أثبت ضعف هذا الرأي، ولعل السبب في توارد هذا الرأي لفترة من الزمن أن أبرز الأخلاق السياسية التي استسهل أصحابها انتقاد فؤاد سراج الدين فيها كان هو ميله إلي التحالفات السياسية وأن هذه التحالفات كانت في الغالب تحالفات مرحلية، وليس هذا مما يعيب السياسيين، لكن المشكلة أن الوفد بتاريخه لم يرحب بهذه التحالفات، ولم يمارسها بعد الانتهاء المؤلم لتحالف الوفد مع الأحرار الدستوريين في 1928 علي يد محمد محمود باشا وإقالة وزارة مصطفي النحاس بكتاب الملك الشهير الذي قال فيه الملك: “نظراً لأن الائتلاف الذي تستند إليه الوزارة قد تصدع”!

وقد ظل سراج الدين محتفظا بهذا الخلق القادر على التحالف المحسوب إلي ما بعد ثورة 1952 بثلاثين عاما وقد مارس سراج الدين التحالفات بصورة واضحة في الانتخابات البرلمانية 1984 حين انضم مرشحو الإخوان المسلمين تحت مظلة الوفد، وقبل هذا فإن سراج الدين في تأسيسه لحزب الوفد الجديد رحب بل إنه رشح عدداً من قادة الاتجاهات الوطنية البارزة وحثهم على الانضمام للحزب، وكان من الإسلاميون والاشتراكيون وأنصار الأحزاب التي انشقت عن الوفد من أمثال السعديين.

وعلي سبيل المثال فإن الدكتور محمد حلمي مراد الأمين العام لحزب العمل الاشتراكي فيما بعد، كان أحد نواب رئيس حزب الوفد الجديد عند تأسيسه، وكذلك كان الشيخ صلاح أبو إسماعيل عضو مجلس الشعب وقتها يحتل موقعاً متميزاً في الهيكل التنظيمي للوفد الجديد، بل إن الأكثر من هذا أن فؤاد سراج الدين عرض رئاسة حزب الوفد الجديد علي إبراهيم باشا عبد الهادي رئيس الوزراء الأسبق والرئيس السابق لحزب الهيئة السعدية، وربما كان له في هذا ما يبرر منطقه الذكي، فقد كان إبراهيم عبدالهادي رئيساً للجنة الشباب الوفدية في أثناء ثورة 1919، لأنه كان زعيم الطلبة !! لكن يبدو أنه لم يكن بقي أي قدر من تقبل السياسة في نفسية ذلك الرجل الذي تعرض لحكم انتقامي بالإعدام في أول عهد الثورة.

بل إن حزب الوفد الجديد على الحالة التي تركه عليها فؤاد سراج الدين عند وفاته كان ينبئ عن هذا المعني بصورة واضحة، فإن الأمين العام سعد فخري عبد النور هو ابن فخري عبد النور أحد أعضاء الوفد البارزين الذين تركوا الوفد في الانشقاق المعروف بانشقاق السبعة ونصف، كما أن رئيس لجنة الوفد في أسيوط هو ابن أحد قيادات الأحرار الدستوريين عبد المجيد إبراهيم صالح.. وهكذا.

هكذا يمكن لنا أن نقدّر بعض مزايا سراج الدين التي لم تحظ بالإنصاف حتى الآن، لكننا على النقيض من هذا نستطيع القول بأن سراج الدين في ذروة مجد الوفد القديم سمح بتصرفات قد لا نستطيع ابتلاعها له ولا المرور عليها دون توجيه النقد له فيها على الرغم من أنه بلغة السياسة لم يكن مخطئا ولا متجاوزا:

* أليس هو الذي قال في مجلس الشيوخ إني أري كرسي الرئاسة يهتز، وبعدها صدر المرسوم الذي أزاح الدكتور محمد حسين هيكل من رئاسة الشيوخ، وأخرج من المجلس أعضاء ذوي قيمة كبيرة. ومع هذا فإن الدكتور هيكل باشا نفسه شهد أمام محكمة الثورة بأن أداء سراج الدين كان مشرفا للحياة النيابية والدستورية.

* أليس هو الذي سمح بالأوضاع التي دفعت مجموعة من الساسة المعارضين (وعلى رأسهم إبراهيم عبد الهادي ومحمد حسين هيكل) إلى كتابة عريضتهم الشهيرة للملك فاروق في 1951 ومع هذا فإن أحدا من هؤلاء الساسة لم يلق أي عنت بسبب مشاركته في هذه العريضة.




* ألم يكن هو الذي يدير المعارك الانتخابية بالطريقة التي تستأصل وجود شخصية من طراز عبد الرحمن الرافعي في عضوية مجلس الشيوخ، لا لشيء إلا لمجرد أنه من الحزب الوطني، وقد وصل الأمر به أن يجعل نائب فارسكور في البرلمان محمد عبد الرحيم سماحة باشا يستقيل ليرشح نفسه لعضوية الشيوخ وليفوز على عبد الرحمن الرافعي! ومع هذا فقد أوردنا في أكثر من موضع من كتبنا أن الرافعي بانقطاعه عن الدائرة ومواطنيها لم يكن قادرا على الفوز على مرشح تقليدي من طراز سماحة باشا.

هل يمكن لنا أن نقول في تفسير مثل هذا التناقض إن سراج الدين كان حريصا في سن الحكمة على أن يجعل جماعاته الحزبية التي يتولى أمرها استيعابية أكثر من أن تكون استبعادية؟ على حين كان حريصاً في سن الشباب على العكس من هذا. ربما..

علي أن أبرز ما في شخصية سراج الدين كان خلقه الآسر، وقد ظل سراج الدين قابضا علي هذا الخلق النادر علي الرغم من أن ظروف الحياة كانت تدفع إلي التخلي عن كثير من تكوينات الخلق الكريم، سواء في المعاملة أو المجاملة، أو في تسيير العمل اليومي، ولكنه آثر البقاء علي ما تربي عليه فهو رقيق.. مهذب.. هادئ.. مجامل.. متفهم.. جيد الاستماع.. حريص على المجاملة وعلى إضفاء كل لمسات الرقة والنبل والشموخ على معاملاته.

وقد مكن الأداء التنفيذي لفؤاد سراج الدين في حزب الوفد الجديد وفي جريدة الوفد أبناء الجيل الجديد من أن يعرفوا صورة شبه مثالية للأداء التنفيذي الناجح، مقارنة بما كان الجيل الجديد يراه من فساد الإدارة وتحيزها للأغراض الشخصية، والمنافع قصيرة الأجل التي تعود على أصحابها، وتهمل الصالح العام، وهو للأسف الشديد الأسلوب السائد في إدارة القطاع العام، وبخاصة بعد إسناد أموره إلى أهل الثقة.

أما سراج الدين فقد نجح من خلال جريدة أسبوعية واحدة أن يحقق مكاسب مادية حقيقية كونت رأسمالا كفيلا بشراء قصر كبير للحزب وللجريدة، فضلا عن ودائع ثابتة في البنوك باسم الحزب والجريدة، وفضلا عن هذا فسرعان ما استطاعت الجريدة الصدور بصورة يومية منتظمة دون أزمات في التحرير أو التمويل، وهكذا أدرك الناس بغير كثير من الضوضاء كيف يمكن للإدارة الناجحة النزيهة أن تحقق المعجزات دون معونة حكومية، بل بالعكس أن تفعل هذا وهي في المعارضة، وهكذا تجسد للجيل الجديد نموذج كفيل بأن يصور لهم كيف كانت إدارة الوفد للأمور إدارة ناجحة ومحققة للأهداف دون عبث الشعارات.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :