الرئيسية / المكتبة الصحفية / القصبجي.. الملحن الذي وصل بأم كلثوم لأول قمة

القصبجي.. الملحن الذي وصل بأم كلثوم لأول قمة

محمد علي الـقصبجي واحد من أبرز أساتذة الموسيقي العربية والتلحين في القرن العشرين، وهو أول الملحنين الخمسة الكبار الذين استولوا على عطاء صوت سيدة الغناء العربي أم كلثوم وأدائها (القصبجي ـ زكريا أحمد ـ رياض السنباطي ـ محمد عبد الوهاب- بليغ حمدي). كان للقصبجي أسلوبه الذي ظل متميزا به عن التالين له، وقد ظل محتفظا بالقمة التي وصل إليها حتى مع كل ما أصاب الموسيقي العربية والألحان الكلثومية من تطوير وتجديد، وقد صادف أسلوب القصبجي في التلحين نجاحا ساحقا مع وصول أم كلثوم إلى القمة، ويمكن القول بأن القصبجي وأم كلثوم وصلا معا إلى القمة، وذلك بالاختلاف عن تاريخ تطور مسيرتها مع الملحنين الآخرين الذين كانوا مشهورين قبل أن يلحنوا لها، أو الذين لحنوا لها بعد أن وصلت إلى القمة.

ومع أن بعض الذواقة لا يزالون يعتقدون أنه توقف عند قمة معينة، فإن الذوق العربي الأصيل لا يزال يحتفظ لقمة القصبجي بذروة رفيعة تتجاوز في ارتفاعها في بعض الأحيان ما لحقها من قمم. وفي رأيي المتواضع فإن ألحان القصبجي لأم كلثوم تمثل الفن الموسيقي على حين تمثل ألحان الشيخ زكريا الفن المسرحي وتمثل ألحان رياض السنباطي الفن الملحمي وتمثل ألحان عبد الوهاب الفن الاستعراضي أما ألحان بليغ فكانت كفيلة مع الزمن بأن تخلق من صوت أم كلثوم ما يتجاوز القدرات الأوبرالية إلى أفق جديد.

أما القصبجي نفسه فقد دفعه وفاؤه لأم كلثوم وصوتها إلى القبول بأن يكون في صدارة فرقتها عازفا على العود، حتى وهي تغني لغيره من الملحنين الكبار، وقد ظل كذلك حتى وفاته، وقد زاده هذه رفعة في نظر محبيه وعارفي قدره وقدر فنه. لم يقف مجد القصبجي عند حدود أم كلثوم وحدها، ومن الطريف أنه هو الذي اكتشف صوت ليلي مراد علي الرغم من ميلادها في أسرة فنية، ومن الطريف أيضا أنه هو صاحب لحن «ليت للبراق عينا» الذي غنته أسمهان وليلي مراد. اعتمد أسلوب محمد القصبجي في التلحين على فكرة تجديد المونولوج وهكذا كانت ألحانه تعبيرا للنفس عن ذاتيتها وتفكيرها الباطن ودخائلها في كثير من لحظات التأمل.

يحفظ التاريخ  الفني  العلمي للقصبجي دوره البارز في دراساته لآلته المفضلة (العود) وما أجراه عليها من محاولات لتعديل مقاييس صنعها وصولا بها إلى أقوي وأرخم صوت، وقد سجلت الدكتور سمحة الخولي رأيها المقدر له في أنه لم يكن مجرد عازف فيرتيوزي (وهذا وصف العازفين الذين بلغوا قمة البراعة في الغرب)، بل كان عالما وباحثا وخبيرا بصناعة الآلة، كما هو خبير بعزفها، “وكان يقتني مجموعة عالية القيمة من آلات العود، وكان يخص كل آلة بنوع معين من العزف، فهذا عود التقاسيم، وكان يزيده وترا سادسا لكي يوسع إطارا أكثر للترديد بين ديوان وآخر في عزف التقاسيم، وهذا عود لتلحين الطقاطيق، وآخر للأدوار والأغاني الطويلة”.

والحقيقة أن الدكتورة سمحة الخولي كانت أبرز الأساتذة الأكاديميين الذين أنصفوا القصبجي،  وقد ذهبت إلى القول بأن القصبجي ارتفع بدور ووظيفة الفرقة الموسيقية في تلحينه بشكل فريد، وأن المقدمة الموسيقية للفرقة كانت تقوم في ألحانه بتمهيد الجو النفسي للنص الغنائي، وقد بلغ ذروة حقيقته في هذا الميدان في مقدمته لأغنية «رق الحبيب» حيث أضفي عليها طابع التلهف والترقب المتوتر بتكوينات لحنية وإيقاعية قلقة، وغير منسابة، وابتعد تماما عن التلحين النمطي المعروف حيث الجمل الموسيقية مبسطة، متراصة النغمات، ومتعادلة في طولها، ومعتمدة علي التكرار أو التسلسل دون النظر إلى طبيعة الجو النفسي للنص الغنائي.

كذلك تري الدكتورة سمحة الخولي أن القصبجي ارتفع في تلحينه بشكل عام عن الالتزام بالنمط الشعبي الذي يقتصر علي لحن واحد لكل مذهب، ولحن ثان يتكرر لكل دور مهما تغيرت المعاني والأجواء النفسية، وقد هدته فطرته إلى المبدأ الآخر في التلحين الغنائي، وهو ما يسمي في الغرب «التلحين المتصل»، وفيه يصوغ الملحن لكل بيت أو مقطع شعري لحنا خاصا به مسايرا لمعانيه، وأجوائه، وتجزم الدكتورة سمحة الخولي بأن القصبجي اهتدي بفطرته إلى هذا النموذج دون تأثر بالغرب، علي الرغم من تفتحه للجديد في الموسيقي، وارتياده عروض الأوبرا الإيطالية.

وقد ظل القصبجي حريصا على توسيع إطار الألحان بما يبرز العنصر النفسي فيها، وحريصا على إثراء ألحانه بفكر مبتكر غير مقيد بالأساليب النمطية الموروثة، كما أنه وظف أدواته الموسيقية الموروثة: اللحن، والإيقاع وحدهما للتوصل إلى أسلوب أكثر صدقا وتعبيرا وحيوية في التلحين، دون اعتماد علي الأدوات الفنية الجديدة.




ولهذا تري الدكتورة سمحة الخولي أن اتجاهه هو الاتجاه الرشيد الذي حماه من عدوي الاقتباس والتطعيم والنقل، وأن مواهبه أسعفته على تجديد التلحين بأسلوب طبيعي غير مفتعل، فيه صدق وابتكار، وهما صفتان ميزتا شخصية القصبجي الإنسان والفنان على السواء. ولد محمد القصبجي في حي عابدين وفيه عاش كل حياته، وكان في صباه يتردد على مسرح التياترو المصري في شارع عبد العزيز ليستمع إلى سلامة حجازي أشهر مطربي عصره حين كان نجم فرقة إسكندر فرح.

تتلمذ القصبجي علي يد والده الذي كان مغنيا معروفا، وملحنا متميزا، وغني من ألحان والده، كما غني من ألحان عبده الحامولي، وسجل في مرحلة مبكرة من حياته مجموعة من الألحان العربية على أسطوانات، وتعلم فن الموشحات علي يد كامل الخلعي، وسرعان ما قاده نجاحه إلى أن يقف إلى جوار الخلعي، وإلى أن يشتركا معا في تلحين أو بريتات منيرة المهدية.

كان القصبجي قد تلقي تعليما مدنيا وتخرج في مدرسة المعلمين المتوسطة وليست العليا (1914)، وعمل مدرسا بالمدارس الابتدائية، لكنه انصرف بكليته إلى الفن، وقد لمع نجمه بسرعة، ودعي للغناء في الحفلات مؤديا للأدوار القديمة، وانضم إلى تخت العقاد الكبير عازفا على العود (1920)، كما لحن طقاطيق خفيفة من تأليف الشيخ محمد يونس القاضي صاحب نشيد «بلادي بلادي»، منها: «بعد العشا»، و«شال الحمام وحط الحمام».

بدأ القصبجي التلحين عام 1920، وكان أول ألحانه لمنيرة المهدية وهو «بعد العش سأل الحمام». وظل يلحن لفرقة منيرة المهدية بانتظام (1924 – 1927): تعرف القصبجي على أم كلثوم سنة 1924 ولحن لها أكثر من 100 أغنية بدأت بقصيدة «إن كنت أسامح». من أعماله الموسيقية خمس مقطوعات منها مقطوعة بعنوان «كابريس،» وهو الاسم الذي كان أطلقه على كلبه. وبالإضافة إلى هوايته في تعديل صناعة آلة العود، فقد كان يهوى إصلاح الساعات والأجهزة الدقيقة. أشهر أعماله التي يتذكرها الجمهور في كل حين: رق الحبيب، يا صباح الخير يا للي معانا، ليه تلاوعيني، إن كنت أسامح وانسي الأسية. نال القصبجي كثيرا من التكريم وحصل علي وسام العلوم والفنون عام 1962. توفي الفنان محمد القصبجي في مارس سنة 1966.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات