الرئيسية / المكتبة الصحفية / الاقتصاد المصري بعد 67.. بين عبد الناصر والقيسوني

الاقتصاد المصري بعد 67.. بين عبد الناصر والقيسوني

في كتابي أهل الثقة وأهل الخبرة نقلت ما رواه المهندس سيد مرعي من انطباعاته عن أزمة زكريا محيى الدين والدكتور القيسوني مع عبد الناصر في 1968، وهي الأزمة التي أدت إلى “إخراجهما” من الوزارة والنظام وليس إلى “خروجهما” بإرادتهما كما هو شائع، وهو المعنى الذى لم يدركه سيد مرعي إلا بعد أن نبهه إليه زميله عزيز صدقي الذي كان قد علم بالخطة، وفيما بعد كتابتي للقصة وجدت ما نشر في محاضر اجتماعات الاتحاد الاشتراكي برياسة عبد الناصر من نصوص مهمة أثبتت بوضوح أنه لم يكن هناك أمل في أن تحقق الناصرية أي تقدم في سياستها الاقتصادية لأنها كانت مشغولة بسياسات تسكين الألآم والمضاعفات فحسب.

ففي هذه المستويات العليا التي شغلها عبد الناصر بتقييم الوضع وما ينبغي عمله تدحرجت المناقشات المسجلة حتى أصبح القيسوني نفسه مضطرا للدفاع عن تاريخه الاقتصادي كله بهذا الدفاع الصريح المعبر والواضح أيضا في إدانته المبطنة لطريقة عبد الناصر في قيادة الفعل ورد الفعل:

– الدكتور القيسوني: أنا اشتركت في الوزارة لأول مرة عام 1954 وكان علي أساس مبدأ التوسع الاقتصادي وما زلت مؤمناً بذلك المبدأ وملتزماً به.. ولكن سبب المشكلة الاقتصادية الآن هو ما حدث من عام 1959 حتى الآن، وذلك بسبب:

* أولاً: إننا حاولنا أن نعمل حاجات أكثر من طاقتنا، كما ارتفعت ميزانية القوات المسلحة من 68 مليون جنيه ألي 270 مليون جنيه في الخطة الأولي، بينما كانت الخطة مبنية علي زيادة الخدمات العامة بمقدار 8% فقط.. لهذا حدث خلل في التوازن الاقتصادي.

* ثانياً: توسعنا أيضاً في الخدمات العامة مثل المدارس والمستشفيات بأكثر مما كان مقدراً لها. كذلك توسعنا كثيراً في تشغيل العمالة.. وبسبب هذا التوسع حدثت زيادة في أرقام الاستهلاك، وبالتالي نشأ العجز في ميزان المدفوعات، كما حدث نقص في المدخرات عن الأرقام التي كانت محددة بالخطة بحيث لم تزد عن 12% بينما قدرناها بـ 20% وبالتالي زاد اعتمادنا على الخارج لتمويل مشروعاتنا.

* ثالثا: زاد إنتاجنا فعلاً في الخطة الأولي للتنمية (من 61 إلى 1965) من 35 إلى 40% عن سنة الأساس، وقد أثارت هذه الزيادة إعجاب جميع الاقتصاديين في العالم، ولكن لو كنا زدنا اهتمامنا بالكفاية الإنتاجية أيضاً لكنا حصلنا علي زيادة في الإنتاج دون زيادة كبيرة في الميزانية المخصصة للاستثمار.

(هكذا نرى القيسوني نفسه يكرر الأرقام الدعائية التي اعتبرت ما تم تأميمه إنتاجا ثم سرعان ما يتحفظ فيذكر ما ينسف به الأرقام الدعائية). وبعد هذه الإدانة الواضحة لعشوائية الثورة يلقي القيسوني بطوق النجاة لعبد الناصر ونظامه وكأنه يمرر له الكرة ليعلبها. وهو يلقي له طوق النجاة التقليدي متمثلا في الحرب والصراع على فلسطين ويقول صراحة وبلا أية مناسبة:

“عن قضية فلسطين.. لماذا نتحمل بمفردنا تكاليف الدفاع عن هذه القضية العربية.. مطلوب الآن في الميزانية تشكيل ثلاث فرق عسكرية إضافية، وهذه تتكلف مصاريف إنشائية 66 مليون جنيه ومصاريف من 8 إلى 10 ملايين جنيه.

ويرد عبد الناصر ردا صريحا أخفاه هو وأخفته معه كل الأدبيات العربية:

– عبد الناصر: أنت عايز مساهمة من دول البترول العربية.. يجب ألا تنسي أن المساهمة الاقتصادية التي قدمتها تلك الدول في مؤتمر الخرطوم لم تكن لمساعدتنا بقدر ما كانت من أجل أن يتحللوا من التهديد بإعلان قطع البترول الذي كان مثاراً في ذلك الوقت.

– الدكتور القيسوني: إني أتحدث عن الوضع بعد إزالة العدوان.. يجب أن تشترك معنا الدول العربية جميعها في الالتزامات المالية التي تحتاجها قضية فلسطين..

يتراجع القيسوني إلى لفت النظر إلي النظريات القديمة التي أهملتها الثورة الناصرية تماما بل حطمتها ويبدأ حوارا عقيما مع عبد الناصر من باب استهلاك وقت الحاضرين:

“نقطة أخري عن الوضع العربي.. لماذا لا ينشأ نظام اقتصادي عربي مشترك كما هو موجود بين دول أوربا الغربية وبين الكتلة الشرقية بغض النظر عن الاختلافات السياسية والاجتماعية الموجودة حالياً بين الدول العربية.. إن ما هو موجود حالياً من مشروعات عربية مشتركة حبر علي ورق.. ولم يظهر منها عملياً أي مشروع كامل”.




وهنا يوجه عبد الناصر كلامه للدكتور القيسوني وعنه:

* “أحب أعلق على المذكرة الاقتصادية التي قدمها أخيراً الدكتور القيسوني”.

* “عايزينا نتخذ إجراءات اقتصادية جديدة علما بأنه سبق أن اقترح زكريا محي الدين منذ ثلاثة شهور فقط اتخاذ إجراءات أخري. أي أن كل ثلاثة أشهر نتخذ إجراءات معينة.. غير معقول، ولا أوافق على هذا الأسلوب في الحكم..”.

* “إذا كنتم عايزين تحملوا الناس زيادة في الأسعار وفي نفس الوقت تقترحون تثبيت أو خفض الأجور ماذا ستعطون للناس في مقابل ذلك؟ وماذا بقي لهم من الأمل في الحياة..”.

* “لو اتخذنا إجراءات اقتصادية ولم نعط للناس شيئاً يبقي هذا خطأ كبير. ويبقي وجودنا في الحكم لا داعي له وتصورنا للمستقبل غطاؤه الصدأ.. في هذه الحالة يصبح من الأنفع أن يأتي للحكم أناس آخرون أفضل منا في تصورهم للمستقبل وفي قدرتهم على حل المشاكل”.

يخرج عبد الناصر إلى الآفاق العمومية ليتحدث عن أسلوبه الفكري المعجز! وقدرته على تحقيق المعجزات فيما يتعلق بالوصول إلى القرار الصائب وليس سرا أن عبد الناصر كان يعتقد بأنه الوحيد القادر على مثل هذا النجاح:

“أحب أن أوضح لكم حاجة عن أسلوب تفكيري قبل إصداري القرار.. الجلسات هنا تسجل تسجيلاً كاملا. بالإضافة إلى ما يسجله عبد المجيد فريد كتابة.. بعدها أعيد الاستماع إلى ما قيل بالجلسات وما أثير من موضوعات. وأتخذ القرار على ضوء المناقشات..”.

“أنا لا أدخل الجلسات وفي ذهني رأي محدد ومسبق.. مثلاً كيف نقرر إقامة مصانع جديدة في الخطة القادمة ونحن غير قادرين على استغلال مصانعنا الحالية بكل طاقتها.. علمت من زكريا أخيراً أن هناك معدات ثلاثة مصانع مازالت موجودة في صناديقها منذ فترة غير قصيرة ولو أن عزيز صدقي يقول أنها 26 مصنعاً وليس ثلاثة مصانع فقط”.

وعند هذا الحد حاول زكريا محيي الدين أن يبلور قرارا عمليا فإذا به من دون أن يدري يكتشف أن العقل يدعوه إلى أن يؤثر الانسحاب:

– زكريا محي الدين: السيد الرئيس أثار الآن عدة موضوعات هامة يجب أن نبحثها تفصيلاً.. وأن تكون إطار عملنا وتفكيرنا.. وفي تقديري أن أي خلل في التوازن الاقتصادي له أثر كبير على التوازن الساسي.

ينسحب ناصر بأكثر من انسحاب زكريا بخطوة ويطلب دراسة تجربة أخري وهو كما نعلم أسلوب من أساليب تضييع الوقت بتأجيل الحسم:

“عبد الناصر: أقترح أيضاً أن ندرس التجربة اليوغوسلافية في الإصلاح الاقتصادي الشامل التي قامت بها أخيراً، كما أرجو ألا تقتصر خطة الإصلاح على جوانب معينة بل يجب أن تكون شاملة”.

وتكون الخلاصة: لا قرار.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية التدوينة إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :