الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات الجزيرة / الجزيرة نت / إرادات الشعوب ليست صلصالا بأيدي القوى الكبرى

إرادات الشعوب ليست صلصالا بأيدي القوى الكبرى

في أحيان كثيرة تنجح حملات الحروب النفسية الدائبة في أن تقنع الرأي العام في الشعوب المظلومة بسطوة وقوة وحتمية جبروت الإمبريالية السافر، القادر على رسم حدود الأوطان وتطويع إرادتها على نحو ما يريده المستعمر، أو على نحو ما تقرره توجهات ساسته أو نزواتهم أو تحالفاتهم المرحلية، أو تطورات إستراتيجياتهم المفصلية.

ومع هذا؛ فإن طموحات القوى التوسعية كانت -ولا تزال- تدفع بالصراعات المتجددة إلى زوايا وكواليس الحروب النفسية، التي تجعل فكرة الانهزام تحت شعار الاعتدال الذكي بمثابة أحد البدائل غير المستبعَدة.

وهكذا كانت فكرة صلصالية الدول الصغيرة تعود من آن لآخر لتُطلّ برأسها في بعض المواقف التي بدت للمتعاملين معها مستعصية على الحسم، ومستعصية أيضا على التفاوض؛ وكانت هذه الفكرة -وهذا هو موطن الاعتبار- تلقى قبولا لدى المؤمنين أو المقتنعين بصحة نظرية المؤامرة.

ومع أن التاريخ علّمنا -بوقائعه المتعددة ومساره المتصل- أن هذه الفكرة (أي فكرة الصلصالية أو القابلية للتشكل) لا تعدو أن تكون أكذوبة كبرى، حتى وإن كانت بعض مكوناتها أضحت بارزة المعالم والتضاريس بصورة واضحة، في حدود وكيانات الدول الحديثة التي كانت قد بدأت تتشكل بوضوح عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتتصور نفسها -كما يتصورها غيرها- مكرسة للخلود والتمتع بوجود وحدود وسيادة.

بيد أن المعضلة الحادة -التي واجهت فكرة تشكيل كيانات الدول بقرارات دولية أو فوقية- تمثلت في عدم الاقتناع الذاتي أو انعدام الرضا الداخلي، إذ إن فكرة التشكيل التوافقي ناقضت نفسها بنفسها وجاءها التآكل من داخلها؛ بل بلغ الأمر عند معارضي آلية التشكل أن اعتبروا التكوين المتشكل مرتبطا بشخص مَنْ أتمه، وهو مستدعى للزوال أو للانفصام بعد وفاة ذلك الدكتاتور الذي أتمه.

وتنبئنا الأدبيات السياسية (بل والروائية أيضا) في الدول التي رفضت قبول استمرار التكوين المتشكل بالسياسة أو الأيديولوجيا المهندسة حدوديا؛ أن عامة المواطنين في هذه الدول -ومن دون الانخراط في برامج تربية سياسية أو مدنية- كانوا واعين تماما للفكرة القائلة بأن وجودَ مكونٍ ما في أي تشكيل سياسي لا يعني سيطرته.

وإلا كنا كمن يقول عن البيت الأبيض إنه كيان من اللون الأبيض فحسب، مع أن الأبيض ليس إلا لون الطلاء الظاهر لبيت حجري خراساني مؤثث، يرى الكثيرون أن قلبه في معظم أوقاته مفعم بالسواد.

ومن العجيب مرة أخرى أن أكثر من يعتقدون صلصالية الدول -من سكان منطقة الشرق الأوسط التي نعيش فيها- هم المتدينون السلفيون (أو الأصوليون) المتأثرون بالاختراق الفكري البطيء المفعول، من الذين لا يدركون طبيعة الاختراق الفكري ولا خباثته ولا أساليبه.

وهؤلاء -كما نعرف- هم أنفسهم المكونون الفاعلون للطوائف الدينية المتكررة في كل الأديان والمذاهب، والتي تتخذ في خطابها المرجعية المتماسة مع نصوص الدين الظاهرية أو الشكلانية، ومع عناصر الفضيلة التي ترفع راية أفضلية السلفية أو تفوّق الأصولية، وترفض كل ما من شأنه أن يقارب بين أوليات الماضي وآليات الحاضر.

ومن ثم فإن هؤلاء يرحبون فجأة بما هو جاهز على أيدي غيرهم، وكأنهم يريحون ضمائرهم من التورط في التشكيل الفاعل أو المتفاعل، الذي هو في نظرهم عمل لا أصولي.

ومع تكرار سيطرة هذه الفكرة واستحواذها على الرأي العام ولغة الخطاب الإعلامي/السياسي الموجه إلى الشعوب المستضعفة؛ فقد تحولت معارضتها الجادة إلى نوع من النحت في الصخر، وهكذا ضعفت القوة التي تحلت بها -في العادة أو بحكم الطبيعة- عناصر كثيرة من مقومات المناعة الموروثة لدى الشعوب المستضعفة والأوطان المستهدفة على حد سواء.

بيد أن الحاجة البشرية إلى التدافع أو الصراع الوجودي -متمثلة في حروب البقاء- استبْقت للبشرية درجات معقولة من الحرص الصادق على احترام الذات والهوية، وخلقت من آليات التفاعل وردود الفعل ما مكّن الإنسانية نفسها -على مدى تاريخها الطويل- من أن تتجنب الانسحاق لقوة العتاد الحربي، وهو الانسحاق الكفيل نظريا بنهاية البشرية والجنس البشري.

والواقع أن التاريخ المعاصر -بسخونته وحرارته وغيومه ورياحه- قد علّمنا أن نظرية التكوين المتشكل بالسياسة شهدت انهيارها المدوي بدون سابق إنذار، وكان السبب في غياب الإنذار هو الاعتماد على فاعلية وكفاءة ذلك الستار الحديدي الذي اقترن وجوده هو نفسه بوجود هذه النظرية ثم انهار معها.




وقد جاء هذا الانهيار على صورة لم تستطع كل مراكز الأبحاث أن تتنبأ بها أو أن تتوقعها أو أن تتوقع سرعتها، لكن الصورة نفسها كانت هي الطبيعة الفيزيقية الملازمة لكل الانهيارات في كل الماديات.

وهكذا فإنه -في وقت واحد تقريبا- حدثت الانفراطات الثلاثة في الاتحاد السوفياتي والاتحاد اليوغسلافي وحلف وارسو؛ ومع أن جوزيف بروز تيتو –وهو رمز الاتحاد اليوغسلافي- كان قد توفي في 1980، فإن أحدا لم يكن ليصدق نبوءته المتوقعة لانهيار الاتحاد اليوغسلافي بغيابه، وعجزه هو نفسه عن أن يجد خليفة حقيقيا له، لكن هذا هو ما حدث بصرف النظر عن اعتقاد تيتو تألُّهه من عدمه.

وقلْ مثل هذا فيما يتعلق بالزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف الذي كان رمزا متجسدا للموت البطيء، أو كان رمزا دالًّا على الجمود المستميت، ومع هذا فإن غيابه سرّع وعجّل معدل القبول بالانهيار والتفكير فيه والعمل من أجله.

وقد حدث هذا تحت شعارات براقة لم تنتبه إلى أن إتمام صناعة نسيج القماش السوفياتي لم يتحقق إلا على أشلاء الملايين من البشر الأبرياء، الذين لم يكن لهم ذنب ولم يتحقق لذرياتهم أي عائد من صناعة هذا النسيج السوفياتي العريض.

بعيدا -في الظاهر- عن هذه الدروس الواضحة الدلالة (وقريبا تماما من جوهرها)؛ فإن العقول المعنية بمستقبل منطقة الشرق الأوسط تحاول الآن -على مضض وبشيء من الأرق- أن تحل مشكلاتها السياسية والنفسية والنفوذية، بمحاولة اتباع أي نموذج من نماذج إعادة التشكيل.

وذلك رغم الاستحالة الظاهرية لنجاح مثل هذه الحلول في العصر الذي نعيشه، والذي تحولت البشرية فيه إلى قرية صغيرة. هذا فضلا عن أن المشكلات البنيوية التي تعانيها المنطقة لا ترتبط في تفكيكها بإعادة التشكيل، ولا بإعادة النظر في الديموغرافيا الحاكمة.

ويبدو لي -بوضوح وبلا مبالغة في التبسيط أو الاختزال- أن السبب الرئيسي في ظهور الدعوة إلى مثل هذه الحلول يكمن في سبب طريف، وهو أن الخبراء المعنيين بما وراء الكواليس لا يستحضرون من ذاكرتهم تجارب الحياة المعاصرة، وإنما يستحضرون ما درسوه من كتب تناولت حلولا قديمة لمشكلات أقدم.

وذلك لأنهم -لأسباب متعددة- لم يطوروا معرفتهم المنهجية بالمشكلات الحديثة نسبيا، ولا بحلولها غير التقليدية التي لم تكن معروفة في الوقت الذي كتبت فيه المراجع التي يعتمدون عليها في التشخيص والفهم ورسم خطط العلاج.

لا أريد أن أقحم على القارئ كثيرا من أمثلة الطب والعلاج، ولكني أكتفي بنموذج واحد ألخصه بطريقة مبسطة وان كانت غير دقيقة تماما، وهو حالة كانت تُشخّص على أنها ورمالمعدة الخبيث، وكانت أفضل النصائح الطبية المخلصة تحث المريض على المسارعة باستئصال هذا المرض الخبيث، الذي كان مساره السريع يدفع بالمصاب به إلى الوفاة.

ثم جاء عصر من البحث الطبي الناضج أثبت أن هذا المرض في بداياته لا يتعدى أن يكون التهابا قاسيا وخطرا، يستأهل العلاج السريع والمكثف لكنه لا يستدعي ما كان يستدعيه من باب الروتين: الاستئصال ولا الجراحة.

والحق أن المشكلات الراهنة في منطقتنا لا تبتعد في حقيقتها عن هذه الصورة التي لا تتطلب -في المقام الأول- تغيير السياسات ولا حتى السياسيين، وإنما تتطلب أساسا تغيير الخبراء، وتطوير طريقة الاستماع إليهم وإلى نصائحهم.

فلربما كانت بعض المشكلات هي الحل الأمثل لمشكلات أخرى تبدو مستعصية على الحل، ولربما كانت بعض الحلول المفضلة أو المطروقة هي نفسها ما صعّب حل المشكلة أو عقدها؛ وهذا موضوع حديث آخر بإذن الله تعالى.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

ولقراءة المقال من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :