الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / رأيت البروتوكول والأخلاق يورثان أمام عينيّ!

رأيت البروتوكول والأخلاق يورثان أمام عينيّ!

ذكر في الدلالة على الوجه التكويني أو التربوي من الأخلاق قصة سيدة شابة فاضلة كان موقفها في المؤسسة التي تعمل فيها يؤهلها لمستقبل واعد، فقد كانت قادرة على الإنجاز الهادئ المهذب كما كانت نشيطة خدومة، وقد تجلى هذا لي (في أحد المستشفيات الخاصة التي كنت أتردد عليها) من زياراتها الدؤوبة لذلك المستشفى لتتابع أحوال المرضى الذين ينتمون إلى المؤسسة التي تعمل فيها، ومع أنها كانت في موقع وظيفي متقدم وعلى الرغم من صغر سنها فإنها كانت تؤدي هذا العمل بسعادة ورضا، وكنا نحن الأطباء نحسن معاملتها ونكرم وفادتها لما نلمسه من عناصر الإنسانية الصادقة في شخصياتها.

مرت الأيام الشهور وازدادت صورتها المنجزة الهادئة الملتزمة المتزنة رسوخاً في مخيلتي حتى كان يوم كنت فيه مع صديق في أحد المطاعم الراقية، وفي مواجهتي أب وابنته الطفلة الصغيرة وفي مواجهة الأب زوجه التي لا أرى منها إلا ظهرها، ولم يكن مما يشغلني أن أعرف منْ هي التي أمامي، ولا منْ هو الذي أمامي لكنني بعد خمس دقائق فقط من جلوسي بدأت رغما عني أتوتر من كمية الأوامر التي تلقيها الأم بصوت مسموع لابنتها الطفلة فيما يتعلق بالشوكة والسكينة والمنشفة والطبق وحجم القطعة أو القضمة وطريقة تحريك الطعام وطريقة تناوله… الخ، كانت الحزمات المتوالية من التعليمات متوالية عاصفة، صحيح أن صوت السيدة الشابة كان خفيضاً لكنه كان بحكم قرب المناضد مسموعا، أما حركات يدها في الهواء ودقات قبضتها على المنضدة فقد كانتا كفيلتين بتنبيه منْ في الشارع المجاور للمطعم لا من على المنضدة التالية لها الذي هو أنا.

لم يقف الأمر عندي فقد أبدى منْ كان يشاركني منضدتي قلقه السافر والساخر معا وعبثا حاولت تهدئته، ولولا أننا كنا في عجلة من أمرنا لكان قد أصر علي ما لاح في ذهنه من ضرورة تغيير المنضدة إلى منضدة أخرى ركن آخر من المطعم، حاولت أن أقنعه أن السيدة تبث أصول الإتيكيت في ابنتها بطريقة منظمة وأن نتاج ذلك التعليم سيثمر شخصية متميزة مهذبة هادئة منتجة لكنه كان نافراً ومستَفزاً. انتهينا من طعامنا بأسرع مما ينبغي، و التفت وأنا خارج إلى السيدة التي أثارت كل هذا القلق، فوجدت أنها هي السيدة التي كانت في ذهني وذاكرتي نموذجا ورمزاً للهدوء المنتج على مدى أعوام سابقة.

مرت الأيام مرة ثانية وأتيح لي أن أعالج شخصاً كان يعمل في المؤسسة التي تعمل فيها، فقصصت عليه اهتمامها بأمر زملائه، ففوجئت به يبدي انطباعاً سلبياً تجاهها لا لشيء إلا لأن والدتها سيدة ألمانية ولم يكن هو يحب الألمان ولا يعرف اللغة الألمانية، وهكذا فإنه كان غير قادر على أن يستوعب شخصيتها ولا أن يمدحها ولا أن يذمها، كل ما كان في وسعه هو أن يشير بألم ونفور ظاهرين إلى هذا الأصل الألماني الذي لا يرتاح هو إليه، ولم يكن مسار حياته قد سمح له أن يستزيد في تعمق الألمان ولا في التعلم منهم ولم يكن على استعداد لهذا فقد كان يكفيه أن يتحفظ عليهم فحسب .

على نسق هذا الصورة التي قد تبدو جمعت النقيضين أذكر قصة بدأت ملامحها في عام 1980 حي اتفقت مع أستاذ كبير التقيت به في الخارج على أن أبعث له كتاباً من كتبي التي صدرت في ذلك الحين عن طريق شقيقته المقيمة في القاهرة، ذهبت إلى منزل شقيقته لا لشيء إلا لمجرد تسليم الكتاب، وهو أمر يمكن أن يتم في دقيقة على الباب، لكن السيدة الفاضلة العطوفة المهذبة هي وأسرتها أصروا جميعاً على استضافتي، وعبثا حاولت الاعتذار بما كنت مرتبطاً به بالفعل من مواعيد تالية، وعلى مدى نصف ساعة استضافوني فيها عرفت وخبرت من صنوف الرقة المتناهية ما لم اره بعد ذلك أبداً.




بعد عشرين عاماً بالتمام والكمال أتيح لي أن أتعامل في أحد البنوك في الإسكندرية مع سيدة مسئولة عن المكاتب الأمامية التي تفتح عندها الحسابات وتتولي تحويل المبالغ الضئيلة، وكانت معي والدتي عليها رحمة الله، وانصرفنا ونحن في غاية التقدير لهذه السيدة التي كانت تنجز كثيراً من العمل في رقة وأدب وهدوء لم نر مثلها من قبل، لكني فجأة تذكرت السيدة التي التقيت بها في عام 1980 واستقر رأيي في ذهني على أن هاتين السيدتين دون غيرهما تتنافسان على المركز الأول في الأخلاق التي ذكرتها لتوي.

كانت السيدة الأولى مسيحية بينما كان اسم السيدة الثانية في بدايته ونهايته يتوافق مائة في المائة مع ان تكون مسلمة ولم يكن في أدائها ولا كلامها ولا هيئتها ولا حليها ولا مكتبها أي شيء قد يوحي بأنها غير مسلمة. بعد 5 سنوات أخرى وبالصدفة البحتة قرأت في الأهرام نعي السيدة الأولى التي زرتها في بيتها عام 1980، وكنت بالطبع أعرف اسم عائلتها من اسم شقيقتها لكني لم أكن أذكر اسم عائلة زوجها، وبالطبع كان اسم الزوج وعائلة الزوج موجودين ثم لهول المفاجأة أجد أنها والدة السيدة التي تعاملت معها في البنك منذ سنوات وحتى ذلك التاريخ وكأن الابنة ورثت من الأم كل الرقة والتواضع والدماثة والإنجاز والهدوء ولم تترك الأم والأبنة لأحد آخر اي قدر من هذه الصفات.

كان لقب عائلة الابنة لقباً يستعمل في عائلات المسلمين وكان لي أصدقاء ومعارف كثيرون من المسلمين يحملون هذا اللقب، ولم أجده في لقب عائلة مسيحية غير هذه العائلة، لكن المفاجأة الأكبر كانت أن اسم الابنة كان اسماً إسلاميا خالصاً بحيث لا يمكن أن يفكر من يسمعه في أن تكون صاحبته على دين غير دين الإسلام. لكني في ذلك اليوم تعلمت درساً آخر وهو أن جينات الأخلاق غالبة وأنها وحدها يمكن أن تثبت النسب وإن كانت بالطبع لا يمكن أن تكون دليلاً على نفيه. أقصد أن أقول إن اثباتات الوراثة (بلغة العلم) اختبار جيد في الإيجابية لكنه غير جيد في السلبية.

تم النشر نقلا عن مدونات الجزيرة

ولقراءة التدوينة من موقع الجزيرة إضغط هنا

وللرجوع إلى بداية التدوينة اضفط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com