الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / حصار قطر وموازنة أميركا بين الكاريزما والبراغماتية

حصار قطر وموازنة أميركا بين الكاريزما والبراغماتية

علمتنا الخبرة بالتاريخ الحديث والمعاصر أن الأزمات الدولية الكبرى غالبا ما تترافق مع أزمات إقليمية -وربما محلية- صغيرة، تتسبب فيها وتغذيها نتيجة للتعارض الصريح بين المصالح أو المستهدفات.

ولعل أزمة خليج الخنازير في كوبا (عام 1961) تمثل نموذجا مكتملا للتدافعات التي بدأت حينها في تركيا لكن أحداثها انتقلت فوصلت إلى الحدود الكوبية الأميركية، وربما نسي الناس اليوم أن الأزمة كانت قد بدأت في تركيا عند الحدود الشاسعة للاتحاد السوفياتي.

مع منطقية الفكرة المعولة على تفسير الأزمات بصراع المصالح ومسؤولية هذا الصراع عن تسبيب الأزمات؛ فإنه لا أحد يستطيع أن ينفي أن هذا التسبيب ربما ينشأ أيضا كنتيجة مباشرة لبلورة الصراع الفكري أو الروحي في الإمبراطوريات الكبرى، فيما وراء المصلحة الحالة والمكانة المنشودة.

وهو الصراع الذي يعبر عن نفسه بوضوح في التوجهات المعلنة للساسة ذوي المواقع العليا، وخاصة من الوافدين الجدد على حلبة السياسة؛ ويمتد هذا الصراع ليشمل ما تعارفت الإنسانية على وصفه بأنه تجاوز في استعمال السلطة، أو في تحقيق منافع تربحية من خلال ممارستها.

وقد علمتنا الخبرة بالتاريخ أيضا أن حيوية السياسة الأميركية -بحكم ما انتهت إليه من قيم توافقية في الفهم والصياغة- ظلت تبحث دوما عن المزاوجة المنتهية بالموازنة بين أي توجهين متبلورين يبدوان متعارضيْن، ولا يلبث الزمن الأميركي -بصخبه الإعلامي والمعلوماتي- أن يمزجهما مزجاً متوازنا، ليخلق من موازنته بينهما عامل تسيير جديد لأحد الجوانب في الحياة الروتينية، أو عامل دفع حاثٍّ لأحد الطموحات غير التقليدية.

وربما أننا لا نزال في حاجة إلى مضي وقت -ربما يطول- لندرك تفصيلات التشابك الخفي بين أزمة حصار قطر بكل ما فيها من غدر وتربص وارتجال وطمع، والصراع العميق الذي احتدم في تلافيف الروح الأميركية على المساحة التي يمكن السماح بها للكاريزما الرئاسية بكل تقلباتها أو انقلاباتها.

وكذلك ما تمثله هذه المساحة من تعبير عملي عن حجم التجاوزات الخلقية والمبدئية التي يمكن للمجتمع الأميركي أن يسمح بها، بما لا يتعارض مع الفكرة البراغماتية الحاكمة -بطريقة كلاسيكية- للسلوك لأميركي في السياسة والاقتصاد والمجتمع، على حد سواء؛ حتى وإن وُصفت هذه البراغماتية نفسها بالمثالية.

وفي هذا الإطار المتطلع لفهم طبيعة التشابك؛ فإنه لم يعد صعبا أن نعترف بحيوية الرأي العام وما يتضافر معه من سطوة الإعلام الجديد والتواصل المجتمعي، وقدرتهما على الإدراك والتشخيص المبكرين لخطر فكرة جذابة كفكرة الكاريزما المصطنَعة على أداء المنظومات السياسية الفاعلة والمستقرة.

وقد أصبح من الثابت أن جماهير الولايات المتحدة الأميركية -في الفترة السابقة مباشرة على حصار قطر- كانت قد عبّرت -لأول مرة في تاريخها- عن معاناتها من صورة مضخمة من الشطط، الذي آثر رئيسها الجديد دونالد ترمب أن يحله محل الخطط.

ذلك أن العقل الجمعي الأميركي -دون خداع أو مراوغة- سرعان ما دفع هذه الجماهير إلى أن ترى نفسها بحاجة ماسة إلى خروج مواطنيها إلى الشوارع والميادين ومواقع الخدمة المدنية، لتنبيه رئاستهم وسلطتهم التنفيذية إلى عدم رضاهم عن أي إجراء من شأنه أن يفرض على كيان الدولة بصمة ما (أية بصمة) لرؤية متطرفة في تقييمها للأمور؛ ومن ثم في إدارتها المتعسفة للحركيات والإجراءات.

ومن الجدير بالنظر أن هذا النهج كان هو نفسه بمثابة الجوهر المسيطر على سياسة الدول الأربع المشاركة في حصار قطر، وقد تتوج هذا الغضب والرفض  الشعبي الأميركي بتعبير أميركي إعلامي واضح، بل سافر الوضوح والتعليق والتقرير والاستنتاج،  ومتعزز بكل صور التجسيد والتمثيل والتشبيه والتجريد

وعززت ذلك كله مناقشاتٌ ساخنة تداولتها جموع الشعب المعبرة عن عدم ارتياحها للجموح غير المبرر في ممارسة العنت والتعسف والاندفاع والتشبث.

ومع الميل الشديد إلى الحفاظ على حدود متوازنة من تجليات العقل والحرية معا، والحرية والأمن معا أيضا؛ فإن الأميركي العادي ظل  ملتزما تماما بالشكل، فهو لم ينكر على الرئيس الجديد حقه في أن يعتقد ما شاء له الاعتقاد، وأن يخطو في سياسته بما يقوده إليه فكره، ولكنه أنكر عليه -بكل قوة- أن يظن أنه قادر برئاسته على أن يعتقد لمواطنيه أو بالنيابة عنهم ما يظنه صوابا.

فلما ترجم الرئيس ظنه إلى قرار صارم (على نحو ما حدث بعد إعداد خفي وتجهيز دؤوب من كواليسه وفي كواليسه)؛ فإن العقل الأميركي واجه الموقف المفروض عليه بكل ما أمكنه استدعاؤه من صرامة عقلية لا تقبل التسويغ ولا المراوغة.




وبالمنطق السليم والمسؤول ذاته؛ فإن صناع العدالة وسدنتها من رجال القضاء الأميركي (على اختلاف المستويات) سارعوا إلى التصويب السريع في إيجابية مطلقة، وكما أن هذه الإيجابية كانت مطلقة فقد كانت أيضا إيجابية محمودة القصد، ومعهودة الدور في حماية القيم الإنسانية (والأميركية أيضا) من بطش يد الإنسان مهما كانت سلطة عقل البشر.

وقد مارس هؤلاء القضاة مهمتهم السامية هذه بتلقائية مدهشة للعالم وغير مندهشة من الحدث، دون أن يرفعوا عقيرتهم بأي ذكر لفضل أو تفضل، مؤمنين بأن واجبهم السامي لا يترك لهم مساحات للاختيار، ولا للزعم بالأفضلية ولا للتأكيد على سلطة.

وهكذا مضت الحياة السياسية الأميركية داخل الدولة الفدرالية الشاسعة كما تعودت أن تسير: هادئة وواثقة ودافئة في وجود القانون الذي يسبغ عليها ظله، وهكذا مضت هذه الحياة كالعهد بها فيما مضى فخورة بالعقل، معتزة بالواجب وغير وجلة من التجاوزات.

لكن السلطة هي السلطة؛ وصاحبها لا يزال يعتقد أنه حقق النجاح لمجرد أنه وقّع على القرار الذي أوقف تيارا من الحركة أو أبطل حالة من التعود، أو لأنه أخرج فكرته من عالم التصور إلى منطقة التنفيذ والجدل، مهما لقيت آلياته من التعطيل والوقف.

وهو بفضل جهود مساعديه يحاول تكرار الالتفاف دون أن يدري أنه يسحب من رصيد الزمن، الذي هو المورد الأول لما يحتاج إليه من إنجاز سياسي أو وطني يعوض به مثل هذا الفشل المبكر في إثبات الكاريزما على نحو ما أرادها، ويستعيد له جذوة الأمل المعهود في إثبات سريع للرغبة في التميز والتفوق.

وهكذا كانت هذه التفاعلات تتآزر أيضا على نحو ما نرى ملامحها في التغطيات الإعلامية المحمومة للسجال الأميركي الدائر بشأن أزمة حصار قطر وأبعادها الخلقية، وما توحي به هذه الملامح لدارسي السياسة وخبراء الإستراتيجية من إمكانية التفكير في تقرير حقيقة غريبة.

وتلك الحقيقة هي أن الكاريزما -في مثل هذه الحالة- أصبحت لعنة أكثر مما كانت نعمة، وأنها ليست الوسيلة المفضلة لتغيير الواقع القائم ولا لفرض واقع جديد، سواء أكان هذا الوضع خليجيا أم أميركياً.

وقد كاد الخبراء والمراقبون يُجمعون على الجهر بهذا الحكم مضخما، لولا خوفهم من اتهامهم بالمبالغة في إطلاق الأحكام، لكن فداحة التجربة الترامبية -المتجلية في تصريحات الرئيس المبكرة عقب أزمة الحصار- جعلت الخبراء المخضرمين يميلون إلى الاكتفاء بتحفظ وحيد، يتمثل في وصف الكاريزما المقصودة بأنها “الاصطناعية”؛ على نحو ما فعلنا في مستهل هذا المقال.

وكأن هؤلاء الخبراء يدفعون عن أنفسهم مغبة التحيز اللحظي أو المؤسس على حالة خاصة، وهو ما قد يحرمهم من نعمة مقبلة قد يأتي بها القدر في صورة كاريزما عاقلة، بعد تكرار المعاناة الإنسانية من تعاقب زعامات خطرة بدأت بأدولف هتلر ووصلت حتى دونالد ترمب.

وتنعكس آثار عقيدة الخبراء هذه بوضوح شديد في مرآة الواقع السياسي الخاضع لنظرية الأواني السياسية المستطرقة، وهو الواقع الذي يدفع الجماهير المتزنة الآن إلى التشبث بشخصيات تبدو متزنة أكثر منها كاريزمية.

وعلى صعيد آخر؛ فإن الفكر السياسي بدأ يعاود تشكيل مفرداته ليعترف بما كررتُ التنبيه إليه مرارا، وهو أن المجتمع المدني أصبح السلطةَ الأولى الحقيقية في دنيا السلطات في هذه الحياة السياسية المائجة، وهي فكرة أجاهد في سبيل إحلالها محل فكرة مونتسكيو عن سلطات عصره الثلاث المتمثلة في التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ومن حسن حظي أن عوامل الحياة المضطربة لم تقدم حتى الآن -لاحتلال هذا الموقع الأول- سلطة بديلة لهذه السلطة المتمثلة في المجتمع المدني، وهي سلطة نافذة بكل وضوح، كما أنها تملك قدرة فائقة على اختيار آليات كفيلة بترجمة المعتقد الفكري إلى إجراءات تنفيذية حية ومنطلقة، وكفيلة بتغيير الصورة على أرض الواقع.

وربما أصبح النجاح القطري في تقديم رؤيته العاقلة -بعيدا عن الانفعال- بمثابة معلم إقليمي متميز للأداء السياسي الإقليمي، لا يمكن للأميركيين (الأكاديميين والممارسين) أن يتجاوزوه.

تم النشر نقلا عن موقعالجزيرة نت

ولقراءة المقال من موقع الجزيرة إضغط هنا

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com