الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / أزمة البحث عن هوية بعيدة عن الدين

أزمة البحث عن هوية بعيدة عن الدين

منذ أكثر من سبعة وثلاثين عاما كنا مجموعة من الزملاء الأطباء نشارك في برنامج تدريب طبي، وكانت الظروف تفرض علينا -بوعي أو بدون وعي- أن نعبر عن ذواتنا وأن نتحدث عن هوياتنا؛ ولا أزال أذكر بعض التعبيرات المعجزة التي اخترقت أذني اليمنى ولم تخرج من أذني اليسرى حتى يومنا هذا.

ومن هذه التعبيرات تعبير زميلتنا التركية التي قالت إنها مسلمة لكنها كافرة، ولما كانت كلمة مسلمة معروفة للجميع كدين فإن اجتهاد الزملاء انصب بسرعة على تعريف الكفر ومعنييه  العَقَدي والسياسي أو الجيوبوليتيكي، كما يقول المتحذلقون من خبراء العلوم السياسية الآن.

ولأننا كنا نمارس الطب الإكلينيكي -الذي لا يسمح بتأجيل التعريف ولا بالإبطاء في التشخيص- فقد توصلنا ببساطة شديدة إلى معنى يصعب على أساتذة الأديان أن يصوغوه، كما يصعب عليهم أن يتقبلوه؛ وهو أن الإنسان الذي يصف نفسه بأنه مسلم كافر تتوافر فيه خمس علامات تشخيصية: أنه يؤمن بالإسلام دينا؛ ويؤدي معظم مشاعره؛ ويتكاسل عن بعضها الآخر دون أن ينكرها.

وهو يقر بأن هذا ينقص من إيمانه إلى الحد الذي يجعل البسطاء من المؤمنين يتهمونه بالكفر، فلا يتصلب في مواجههتهم لأنه يعرف أنه أقل من أن يستحق الوصف بالإسلام الذي لم يستوف أركانه؛ وهو أخيرا يتمنى أن يتمكن من استكمال هذه المقومات ليصبح مسلما بدلا من أن يكون مسلما كافرا.

بعد سبعة عشر عاما من هذه المناقشة -التي لم يكن فيها من المسلمين إلا صاحبة التعبير وصاحب الرواية الذي هو كاتب هذه السطور- كنت مشاركا في مناقشة فلسفية تتعلق بالمفاهيم الإسلامية، وقد تطرقت إلى قضايا معتزلية من قبيل المنزلة بين المنزلتين وتكفير مرتكب الكبيرة.

وكان كل المشاركين -إلا أنا بالطبع- من أساتذة الفلسفة الإسلامية الكبار جدا علما ومناصب، فرأيت أن أباهيهم  بهذا التشخيص القديم بدلا من أكون مرددا لمصطلحاتهم؛ وأنا متوقع بالطبع ومتحسب أنهم لن يقروا مثل هذا التشخيص، لسبب بسيط وهو أن مصطلحاتهم وضعت مقابلاته منذ ألف سنة، لكني إضافة إلى المعابثة المحمودة كنت أريد أن أستثير أوعية العلم لمزيد من العلم.

وأذكر أن أكثر هؤلاء الأساتذة صلة باللغة كان من الذكاء بحيث قال: إن هذا التشخيص يقال للمريض في العيادة بعد أن يدفع المريض الأوروبي ما يقابل جنيها من الذهب، بينما تشخيص الفلاسفة يقال للناس بعد أن يدفع المجتمع للناس ما يقوم بطعامهم وشرابهم. وهذا -في رأي أستاذنا- هو الفرق بين مهنة يدر العلم بها دخولا عالية، ومهنة أخرى لا تجد لها مكانا إلا بعد أن يحصل الناس على ما يصلهم أرزاقهم.

بعد سبعة عشر عاما أخرى وفي أعقاب ازدهار الثورة المضادة؛ كنت مشتركا في نقاش سياسي حول مدى ما يمكن لموجة الثورة المضادة أن تقتلعه من التدين، بعد أن فرضت هذه الثورة المضادة انقلابا كان من مقوماته أنه معادٍ للدين، وكان من مسوغات دعمه أنه سيحارب التدين.

وإذا بالمداولات تقودني للقول بأن نجاح الثورات المضادة في التأثير على التدين أقل بكثير من تأثيرها على استبقاء الانتماء للدين نفسه؛ وأنه لهذا السبب فإن التوجهات المحمومة التي تنشرها وتموّلها الثورة المضادة -من أجل هز مكانة الدين في العقل والوجدان- لن تحقق عُشْر معشار ما تبتغيه من نجاح، حتى وإن تفرغ لصوغها كبار العقول الفلسفية والفنية في العالم كله.

تشعب نطاق الاستشهادات بالطبع إلى تجليات الانقلابات العسكرية  وتأثيراتها الاستغرابية على نحو محدد، وكانت المناقشات تصب نهايةً في الإقرار بصعوبة تحقيق أية ارتدادات في المجتمعات التي بنت هويتها على أساس من الاعتزاز بالمكوّن الديني.

كذلك فقد اكتشف الحاضرون من تجاربهم الخاصة (وذكريات مناقشاتهم في كثير من الأزمات المحلية التي اشتبكوا معها) صحة دعواي، القائلة بأن التحضر الحقيقي يقود صاحبه إلى الاعتزاز بكل المقومات الدينية في مجتمعه (حتى ولو لم تكن هذه المقومات من دينه هو نفسه على وجه التحديد).

ومن حسن الحظ أن المشتركين في ذلك النقاش كانوا يستحضرون بسهولة ملامح ذلك النحو البارز الذي نجده في اعتزاز المسيحيين الفلسطينيين المتدينين بالإسلام حضارة وتاريخا، واعتزاز المسلمين الفلسطينيين بالمسيحية قيما وتراثا، وهو ما نجد له أيضا صورة نقيضة عند الملحدين حين يصرون على نفي إيمانهم بالمسيحية والأديان جميعا، وهي صورة تؤكد ما ذهبنا إليه من اكتشاف للحقيقة أو تقرير لحدودها.

وعند هذه النقطة بالذات؛ فإن علماء الاجتماع -منذ ابن خلدون- لاحظوا ما يمثله الدين من إسهام ثقافي وحضاري في نفوس من عاشوا حضارته حتى ولو لم يعتنقوه في الماضي والحاضر، وربما أن هذا العنصر بالذات هو أبرز العناصر الموطِّدة لوحدة الثقافة المصرية برافديها الإسلامي والمسيحي، وهو عنصر بلغ من قوته أن صورة الحساب في اليوم الآخر لا تختلف في الثقافة المصرية المسيحية عنها في الإسلام.

على أن المفاجأة -التي دهش لها من ناقشوني في ذلك اليوم- كانت اكتشافهم لاعتقادي أن الأتاتوركية كانت ثورة مضادة مكتملة العناصر؛ ولم يكن من السهل على أحد ممن سمعوني في ذلك اليوم أن يتقبل هذه الفكرة على علاتها للوهلة الأولى، بل إن غلاة الكارهين لأتاتورك والأتاتوركية لم يظنوا يوما من الأيام أن أتاتورك قد قاد ثورة الماضي أو ثورة ماضوية.

بيد أن العلم بطبعه غلاب لأهله بمبادئه، وهو (أي العلم) يهيئ لهم الحقيقة متى خضعوا له وتعالوا على  ظنونهم وأفكارهم المبرمجة؛ وهكذا -على مدى ثلاث جلسات خاصة- بدأت مناقشاتهم العاصفة لي، محاولين إقناعي بأن أتاتورك كان ميالا لتقدم ما حتى وإن أخطأ التصور أو التوجه أو القرار أو الفهم، لكن التحليل الواعي للأفكار من شرفة التاريخ أثبت لنا أن التجربة الأتاتوركية -مهما بدا من قشرتها واندفاعها الثوري وقدرتها الفائقة على التغيير القسري- لم تكن ثورة حقيقية وإنما كانت ثورة مضادة.

ومن الجدير بالذكر أن المناقشات المتفرعة قادتني في ثناياها إلى تأكيد ما أعتقده من أن المثل الأعلى لنابليون بونابرت كان هو سليمان القانوني، لدرجة أن نابليون وضع قانون نابليون (أو "كود نابليون") لكي يمكّن التاريخ من أن يسميه نابليون القانوني على نحو ما سمى سليمان القانوني من قبل.

ومن الإنصاف أن نقول إن التاريخ أعطاه حقه، لكنه (أي التاريخ) شأنه شأن القانونيين احتفظ بالعلامة المسجلة لصاحبها الأقدم، فبقي التعبيران الدالان على النحو الذي نعرفهما به: سليمان القانوني وقانون نابليون بونابرت.

ومن فضل التاريخ على البشر أن تتضافر هذه الأفكار دون أن تتعلب أو تتقولب، مقدمة نفسها -في بساطة ويسر- أمام أي شعب عربي حين يجد واحدا من أفراده يحاول أن يعبّر بوضوح عن رغبة قياداته في موطأ قدم داخل ملعب العلمانية، الذي كف -منذ زمن طويل- عن استقبال أو تنظيم المسابقات العالمية، مكتفيا بدور تاريخي يحظى بالاحترام دون أن يكون قابلا للاستحضار أو التكرار.

ومن حسن الحظ أن السنوات السبع والثلاثين -التي انقضت منذ حديث زميلتنا بفكرتها البارقة- قد انقسمت إلى المراحل الثلاث التي لخصت الأولى والثانية منها فيما سبق، ونعيش الآن المرحلة الثالثة.

ومن المدهش أن تركيا نفسها تشهد أقوى تجلياتها المبدعة، على نحو ما شهدت قطر اعتراف العالم بنجاح التجلي الذي انتقل بإثبات الذات إلى أفق جديد، تواكب مع نجاح نشأة قناة الجزيرة التي جعلت كل ما هو نخبوي في عالم الفكر متاحا أمام العرب جميعا، وعند أطراف أصابعهم: إخباريا ومباشرا وحيًّا ووثائقيا.

وليس من قبيل التزيّد في القول أن أذكر ما لم أكن أنا ولا غيري (من الأطباء المنتمين إلى ديانات متعددة) واعين له في 1980 حيث بدأ الخيط الأول في قصة مقالنا اليوم؛ حين كنت أنا وزميلتي التركية نتعلم الطب في تجربة جمعتنا بالياباني والبولندية وبالنيجيري والنمساوية وبالبرازيلي والفنلندنية.

وكنا يومها لا نزال في ألمانيا الاتحادية قبل أن تعود ألمانيا إلى سمت الدولة الواحدة، ومن المدهش أن تلك الأيام شهدت بداية أقوى موجة مرتدة من حركة أتاتورك متمثلة في انقلاب 1980 العسكري الفاجر بقيادة كنعان إيفرين

———————————

تم النشر نقلا عن موقع  الجزيرة نت

ولقراءة المقال على موقع الجزيرة.نت  اضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com