الرئيسية / عن الجوادي / دروس مصطفى النحاس لإقامة الدولة الليبرالية

دروس مصطفى النحاس لإقامة الدولة الليبرالية

alnahas

عن كتاب: " زعيم الأمة مصطفى النحاس باشا وبناء الدولة الليبرالية " للدكتور محمد الجوادي

تاريخ النشر : 22/7/2011

وسط شلالات العتمة يطل كقنديل مشع حبا وانتماء .. توضأت الاقلام كي تخط لنا حياته بين نسك المحب لوطنه وزهد العاشق للشرف والمبادئ. كتب عنه الأدباء والساسة والمحبون والكارهون .. كطائف لا يتكرر و«فلتة» لا تحدث إلا كل بضعة قرون.. انه زعيم الامة الوحيد الذي أنصفه خصومه قبل أحبائه، وحفظ له أعداؤه حقه في خدمة مصر كما لم يخدمها أحد.

لذا فإن سيرة مصطفي باشا النحاس نبيل السياسة وشريف الوطنية تبقي الي الابد كتابا مفتوحا ينهل منه المسيسون والزعماء ورجال الدولة في طريقهم نحو خدمة الوطن. وقد نال الدكتور محمد الجوادي شرف السبق ليقدم للمكتبة المصرية أفضل كتاب عن سيرة زعيم الامة بعد132 عاما من مولده ونحو 46 عاما من وفاته، وقد حمل الكتاب الموسوعي الذي تقترب عدد صفحاته من 700 صفحة وصدر مؤخرا عن دار الشروق عنوان «مصطفي النحاس باشا وبناء الدولة الليبرالية».

لقد اطلع الدكتور الجوادي الباحث والمؤرخ الشهير علي اكثر من 550 مرجعا ومصدرا وأنفق 9125 يوما (اي 25 عاما علي حد قوله) ليكتب لنا ذلك الكتاب، وليس غريبا أن يعتمد الكاتب علي مؤلفات خصوم الوفد ومنتقديه ليلتقط لنا دروس وعبر وعظات مسيرة مصطفي النحاس في بناء الدولة الليبرالية وهي دروس لازمة وضرورية في وقت يعلو فيه صراخ الحناجر وزعيق الفضائيين علي قول الحق وصوت العقل، ويسود الغبش والغموض حاضرنا ومستقبلنا السياسي.

سياسة لها دين وأخلاق

أول دروس النحاس باشا أن السياسة لها أخلاق. لقد كان شائعا في أدبيات العلوم السياسية أن السياسة هي فن الممكن، وأن الخداع والكذب امور واردة في دنيا السياسة حتي جاء مصطفي النحاس فقدم نموذجا أخلاقيا ودينيا للسياسي الحق ذي الشرف والاخلاق الكريمة.

إن الدكتور محمد الجوادي يقودنا الي مناطق خاصة في حياة زعيم الوفد ومصر عندما يحدثنا عن علاقة النحاس باشا بالدين. لقد كان الرجل مسلما ملتزما يؤدي الفرائض ويلتزم بالحدود ويؤمن بعناية الله ورعايته وتزخر خطبه بكثير من آيات القرآن وهو مع كل هذا حريص علي احترام عقائد غير المسلمين. وربما يتعجب الجيل الجديد أن هذا السياسي المثالي لم يكن يتخلف عن صلاة الفجر إلا مكرها، وكان له ورد يومي من القرآن الكريم. وهو بالمناسبة أول من استن الاحتفال بالعام الهجري الجديد في وقت كانت مصر محتلة احتلالا بريطانيا يسعي الي طمس هويتها وتغريبها.

ومن المدهش أن تدين النحاس باشا لم يكن أداة للعمل السياسي مثل كثير من تلامذة السياسة في عهدنا، وانما كان تدينا فطريا متسقا مع ايمان عميق، وليس أدل علي ذلك من رفضه وتصديه لاستخدام الدين في أعمال السياسة. وهو بتعبير «الجوادي»: «كان مع إبعاد السياسة عن الدين لا إبعاد الدين عن السياسة، وهو النموذج الامثل لممارسة العمل السياسي في بلد متدين مثل مصر».

وربما من أبرز مواقف مصطفي النحاس في التصدي لتحويل الدين كأداة لتحقيق اهداف سياسية موقفه الرافض لتنصيب الملك فاروق في احتفال ديني وقوله انه ليس أحرص علي الاسلام منه ، لكن الاسلام ليس به سلطة روحية. كذلك موقفه الشهير من احمد حسين زعيم مصر الفتاة عندما وضع في شعار حزبه «الله – الوطن» فعنفه وقال له إن استخدام الله في شعار سياسي شعوذة.

كذلك فقد ضرب «النحاس» باشا مثالا يحتذي في النزاهة والشرف والبعد عن أي واقعة شبهات مالية، واللجوء دائما لفكرة الشفافية للرد علي اي تساؤلات يتم طرحها. ويستعرض هنا المؤلف وقائع عديدة تؤكد ذلك ربما أشهرها وقائع هجوم مكرم عبيد عليه فيما عرف بالكتاب الاسود، الذي توصف اتهاماته بالطرائف اذا ما قورنت بمخالفات الساسة مثل تأجيره بيته بالاسكندرية وهو رئيس للحكومة أو حصوله علي أجر نظارته لوقف قدره 150 جنيها سنويا أو ما شابه ذلك.

إن المؤلف الذي كتب لنا عشرات التراجم من قبل مثل المشير احمد اسماعيل، والدكتور نجيب محفوظ، والشهيد عبد المنعم رياض ينقل لنا حكاية عن حرص النحاس علي الشفافية حتي بعد اعتزاله العمل السياسي وهو في الثمانين من عمره عندما يرسل عبد الناصر مبلغا ماليا اليه مع الكاتب الصحفي هيكل قدره 400 جنيه من المصروفات السرية ويصر «النحاس» ان يكون الشيك من الخزانة العامة للدولة!

كما ينقل لنا واقعة تدل علي خلق جم لرجل في اوج زعامته عندما يقابل بحشود جماهيرية غفيرة عند زيارته أحد الاماكن ويجد ضابطا يبعد الناس بعنف فلا يجد بدا من ضربه بعصاه. وفي اليوم التالي يشعر زعيم الامة بأنه اخطأ فيذهب الي قسم الشرطة ويسأل عن الضابط الذي ضربه ويطلب اليه التقدم اليه فيتقدم الضابط خائفا فيحتضنه الباشا ويعتذر له ويقبل رأسه في دهشة جميع الحاضرين. أي اخلاق هذه اذا تذكرنا واقعة المواطن البورسعيدي أبوالعربي الذي اقترب يوما من موكب الرئيس مبارك ليقدم له شكوي شخصية فمزقته رصاصات طاقم الحراسة!!

دروس الانحياز للديمقراطية

لقد مارس مصطفي النحاس المولود في 15 يونيو عام 1879 السياسة قبل ثورة 1919 عضوا في الحزب الوطني عندما كان قاضيا، وعندما بدأ سعد باشا زغلول فكرة تأليف الوفد لعرض قضية مصر لدي عصبة الامم انضم «النحاس» له وسافر معه الي باريس وقبض عليه معه ونفي الي مالطا وفصل من القضاء ثم نفي مرة اخري الي سيشل وعندما عاد سعد ورفاقه صار الرجل الثاني في الوفد وشغل منصب السكرتير العام واختير وزيرا للمواصلات في وزارة 1924 ثم وكيلا لمجلس النواب وبعد وفاة سعد زغلول عام 1927 اجتمع الوفد المصري واختاره رئيسا له.

لقد اختير النحاس رئيسا لوزارة ائتلافية في مارس 1928 ولم يستمر سوي ثلاثة أشهر أقيل بعدها ليبدأ رحلة جهاد صعبة الي جانب الديمقراطية والحرية في وقت استغل فيه خصومه توكيله كمحام في قضية رفع الحراسة عن ممتلكات الامير سيف الدين الذي تعرض للاضطهاد من الملك فؤاد بسبب خلاف قديم لاتهامه بالاستغلال. وقد حصل النحاس علي البراءة التي رفعت شعبيته وجددت محبة وثقة الجماهير في الوفد . وكان من المدهش وقتها أن يرفض «النحاس» عرضا من الملك فؤاد لتشكيل الحكومة ويشترط اجراء الانتخابات أولا. وبالفعل يجري عدلي يكن الانتخابات في 1930 ويفوز الوفد باغلبية ويشكل «النحاس» الوزارة الثانية.

إن ذلك الموقف يبرهن لنا أن الرجل يستهدف الديمقراطية في حد ذاتها وليس الوصول الي الحكم، وإصراره علي اجراء الانتخابات أولا تأكيد للملك نفسه ان «النحاس» لا يستمد شرعيته منه وانما من الشعب.

ويخوض «النحاس» بعد استقالته في يونيو 1930 معركة عنيفة لمساندة الدستور وضد الطغيان. وينتقل زعيم الامة من بلدة الي بلدة منددا بالاستبداد والقهر وسياسة الحديد والنار التي يتبعها اسماعيل صدقي، ويتعرض لمحاولة الاغتيال الشهيرة في المنصورة عندما يفتديه سينوت حنا باشا ويتلقي عنه ضربة سونكي لاحد الجنود المأجورين. كما يتعرض الوفديون في كل مكان الي اضطهاد وتضييق ومطاردات تدفع عدد من اعضاء الوفد الي نقل عرض من الملك بوقف التنكيل والاضطهاد لو قبل النحاس المشاركة في حكومة ائتلافية ويرفض الرجل ويصر علي الرفض ويلجأ الي اعضاء الوفد والهيئة الوفدية التي تقره لينشق ثمانية أعضاء دعوا الي التقارب مع الملك وهو الانشقاق المعروف تاريخيا بانشقاق السبعة والنصف لأن الشخص الثامن بين المنشقين كان قصير القامة!

وفي هذا الموقف ايضا يختار «النحاس» الانحياز للديمقراطية ومساندة الدستور حتي لو كان نتيجة ذلك انشقاق بعض أعضاء الوفد الكبار مثل: حمد الباسل، وفخري عبدالنور، وفتح الله بركات، ومراد الشريعي، وعلي الشمسي ، وعلوي الجزار ، وواصف غالي، ومراد الشريف.

ويشكل النحاس الوزارة مرة اخري عام 1936 فيقف ضد تنصيب الملك فاروق تنصيبا دينيا ثم لا يلبث ان يقف الي رأي الاغلبية ضد النقراشي في عدة قرارات وهو ما يؤدي الي استقالة النقراشي نفسه، وهو أكبر وأهم انشقاق تعرض له الوفد اذ صاحبه خروج احمد ماهر ووقفا أنفسهما لهدم الوفد ومواجهته. ويدخل الرجل في مؤامرات دائمة وصراع مرير مع ملك شاب أهوج هو فاروق يصل فيه المدي الي تدبير عدة محاولات لاغتيال النحاس باشا من جانب ضباط تابعين للملك من بينهم انور السادات ولا يفل ذلك من عزم «النحاس» أو يخيفه أو يدفعه الي التراجع. لقد اختار الحرية والديمقراطية واحترام الدستور مهما كانت العواقب.

ولاشك ان وقائع اخري ينقلها «الجوادي» تدل علي صلابة ايمان زعيم الامة بالديمقراطية أبرزها ما يذكره «النحاس» في مذكراته ان طه حسين سعي لديه لتأييد عبدالناصر بعد انفصال مصر عن سوريا وأبي النحاس لأنه كان يري الحكم العسكري حكما مستبدا ديكتاتوريا.




انجازات قرن

ومن الغريب ان فترة حكم الوفد طوال السنوات السابقة علي 23 يوليو 1952 لم تزد علي ثماني سنوات، والاغرب أن هذه السنوات شكل فيها مصطفي باشا النحاس الحكومة سبع مرات ورغم ذلك حفلت بانجازات لم تتحقق نصفها في عهود ثلاثة رؤساء جمهورية حكموا مصر لنحو 60 عاما.

ويمكن القول بأن ابرز تلك الانجازات كانت معاهدة 1936 التي حققت استقلالا مبدئيا لمصر واخرجت قوات الانجليز الي قناة السويس وحققت الاستقلال للجيش المصري والذي لولاه ما كانت ثورة يوليو. كما تضمنت الانجازات الغاء الامتيازات الاجنبية لـ12 دولة وهو قرار استعاد سيادة مصر وكرامتها وحقق لها استقلالا معنويا. كما وضع «النحاس» وحكومة الوفد شرارة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني بعد إلغائه معاهدة 36 عاما 1951 وبدء معارك الفدائيين ضد المحتلين في القناة وهي معارك تجاوز عددها 15 معركة وخسر فيها الانجليز كثيرا من الضحايا. فضلا عن ذلك يحسب لحكومات الوفد تأسيس جامعة الدول العربية وتوقيع معاهدة للدفاع المشترك بين الدول العربية، وانشاء ديوان المحاسبات «الاجهاز المركزي للمحاسبات» ومحكمة النقض والبنك المركزي واتحاد العمال. فضلا عن إصدار عشرات التشريعات المنظمة للحقوق في مصر مثل قانون العمال، مجانية التعليم الابتدائي، التأمين الاجباري علي العامل، استقلال القضاء، التعريب.

ويعتقد المؤلف نفس الاعتقاد السائد لدي كثير من المؤرخين والساسة أن ثورة 23 يوليو استخدمت نفس سياسات الوفد لتضع برنامجها السياسي الذي انطلق من مجانية التعليم والإصلاح الزراعي والاهتمام بالعمال.

السياسة الخارجية

إن الجيل الحالي لا يعرف فضل النحاس باشا في ريادة مصر خلال الثلاثينيات والأربعينيات إقليميا رغم أنها دولة محتلة. إنه لمن العجيب أن يكون الوفد وزعيمه أول من التفتوا للقوة الناعمة لدي مصر واستخدموها لمد النفوذ المصري إلي مناطق عديدة. ولاشك أن سياسة رفض الأحلاف التي طنطن لها نظام عبدالناصر لم تكن سوي سياسة الوفد وزعيمه. كما أن فكرة عدم الانحياز انطلقت من مصر الوفد ليستغلها «ناصر» فيما بعد في بناء مجد شخصي، وليس ادل علي ذلك من أن نهرو حرص علي صداقة النحاس باشا حتي بعد قيام ثورة يوليو، وكان يزوره عندما يزور مصر ويلتقي بناصر.

وليس أكثر ادهاشا من رجل مثل النحاس باشا يقف الي جانب الشعوب العربية ويساندهم رغم أنه في حركة مواجهة ومقاومة دءوبة لاستعمار غاشم. ويصل به الحد إلي تقديم معونات مالية لعلال الفاسي الزعيم المغربي لشراء أسلحة لمواجهة الاستعمار الفرنسي، واعتراف مصر مبكرا باستقلال لبنان، ومساندته لاستقلال باكستان رغم توازن علاقته مع نهرو والمهاتما غاندي. وفي هذا الصدد يقدم لنا كتاب «الجوادي» حكاية جديدة عن مراسلات محمد علي جناح زعيم المسلمين الهنود مع «النحاس» وزيارته إلي القاهرة وشكواه من تعرض المسلمين بالهند للاضطهاد والاتفاق علي ضرورة فصل المسلمين في دولة تتسم بالود في علاقتها مع الهند ويطلب «جناح» من النحاس باشا تسمية الدولة الجديدة فيختار الحرف الأول لكل إقليم من الاقاليم المحصورة في الدولة الجديدة من عينة بنجاب، أباد حتي يكتمل اسم باكستان، وهي رواية واردة في مذكرات «النحاس» باشا نفسه التي كتبها محمد كامل البنا ونشرت عام 1990.

أما قضية فلسطين فتأخذ مساحة كبيرة عن دور النحاس في معالجة الصراع العربي الإسرائيلي واهتمامه الشديد بهذه القضية. ويصف «الجوادي» موقف النحاس بأنه كان مشرفا إلي أبعد الحدود ويمكن أن نلتقط أبعاد ذلك الموقف من خلال الآتي:

1- اقترح النحاس علي اللجنة التحضيرية لجامعة الدول العربية عام 1944 قبول ممثل الأحزاب العربية في فلسطين للمشاركة في اللجنة.

2- في 29 يناير 1950 رفض النحاس طلب بيفن وزير خارجية بريطانيا عبور أي ناقلات بترول متجهة إلي إسرائيل رغم ان بريطانيا كانت تحتل قناة السويس وهو موقف قوي وجريء ويعبر عن الشخصية المصرية الفذة.

3- في فبراير 1950 أصدرت حكومة الوفد منشورا بتفتيش السفن والطائرات وضبط أي غنائم متعلقة بحرب فلسطين.

4- حصار إسرائيل من خلال احتلال مصر لجزيرة تيران وحرمان إسرائيل من المرور في خليج العقبة.

وما يؤلم المؤلف ويأسف له أن فيروس صحفي كتب كتابا من جزءين حاول فيه أن يصور «النحاس» باشا غير واع بقضية فلسطين بينما نصوص مايلز لامبسون تشير الي أن النحاس منذ الثلاثينيات منتبه بشدة لخطر الدولة العبرية. ويرفض المؤلف اتهام الفيروس الصحفي بالتآمر علي النحاس وإنما يتهمه بالجهل بمثل هذه الحقائق. وفي الحقيقة لم يكن الفيروس الصحفي الذي ذكره «الجوادي» سوي الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل والذي تحدث عن قضية فلسطين في كتاب حمل عنوان «العروش والجيوش»، وقد سبق للدكتور الجوادي أن وصف «هيكل» بنفس الوصف وهو الفيروس الصحفي في كتابه الشهير «النصر الوحيد» عندما اعتبره أحد اسباب تفاقم خلاف الفريق سعد الشاذلي مع الرئيس السادات!

حادث 4 فبراير

ويتحدث الكتاب باستفاضة عن حادث 4 فبراير الشهير عام 1942 عندما حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين وأجبرت الملك علي تكليف النحاس باشا بتشكيل الحكومة خلال الحرب لحاجتها الي حكومة قوية في ذلك الحين. لقد هاجم خصوم الوفد النحاس باشا، واستغلوا الحادث في التشهير والتجني علي الزعيم الوطني رغم اصراره علي رفض الوزارة وتوسل الملك فاروق له حتي ينقذ عرشه. ويحشد المؤلف كافة الشهادات والآراء ليؤكد أن موقف النحاس باشا كان بعيدا عن الاستغلال وكان وطنيا بحتا. كما ان ذكاءه دفعه إلي اشتراط سحب الانذار البريطاني وإعلان رفضه، ثم التأكيد علي إلحاح الملك فاروق في خطاب قبول الوزارة عندما ذكر وقد «عرضتم علينا المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة». ويستدل المؤلف علي عبقرية النحاس في استغلال توليه الحكومة في الإفراج عن زعماء وطنيين معروفين بعدائهم للإنجليز مثل عزيز باشا المصري وعبد المنعم عبد الرءوف وشطب قضيتهم تماما.

انشقاق مكرم عبيد

ويقلل مؤلف الكتاب من حادث انشقاق مكرم عبيد باشا عن الوفد وتأسيسه الكتلة الوفدية وتحالفه مع القصر للإساءة الي النحاس باشا، ويعتبر ذلك الانشقاق غير ذي بال وأنه لم يؤثر تأثيرا كبيرا في الوفد، بل أدي إلي زيادة شعبية النحاس بعد رده بشكل تفصيلي علي كافة ما أثير. وقد تأثر مكرم كثيرا بما فعل وحاول العودة لكن فات الاوان ومن الطريف ما ينقله الكتاب عن قصيدة للدكتور سعيد عبده علي لسان مكرم للعودة الي الباشا.. تقول القصيدة الطريفة :

«ح أبوسه بكره وبعد بكره/ وبعد بعده ابوسه بكره/ يا كتلة هيصي/ ح أبوس عريسي، صفصف رئيسي/ ح ابوسه بكره/ أقول له أهلا/ يقول لي مهلا/ ولما أبوسه أقوله بكره/ يا قلبي جالك/ سواد كتابك، واللي جرالك/ عمره ما يجري».

أنصاف الخصوم

ويبقي أن نقول إن الكتاب لوحة فنية مكتملة استخدم فيها كاتبه كل أدواته لإخراج متن عظيم لسيرة زعيم مصر الأنبل. وقد كان من اللافت استعانة المؤلف بشهادات لشخصيات مخالفة في التوجه للوفد ليبرهن علي عظمة وتفوق ووطنية مصطفي النحاس منهم مثلا ضياء الدين داوود الناصري العتيد، والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي أحد الخصوم التاريخيين للوفد، والكاتب الصحفي مصطفي أمين أكبر مهاجم للوفد قبل 52، فضلا عن الزعيم خالد محيي الدين، واللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية، وقد أجمع هؤلاء علي عظمة القيادة والوطنية والإخلاص الذي تفرد بها مصطفي النحاس والتي جعلت ديكتاتورا عسكريا مثل جمال عبد الناصر يستبعد أن تتم محاكمته بعد الثورة وكان كثيرا ما يردد «انه رجل بتاع ربنا و اللي ييجي عليه لا يكسب» وقد تجلي ذلك القول في عناية الله التي أنقذته من خمس محاولات اغتيال خطيرة ومباشرة.

وتجدر أمانة القراءة إلي أن أشير الي وجود أخطاء طفيفة في الغالب مطبعية في تواريخ محددة ، منها مثلا ما ذكره الكتاب في صفحة 479 من ان تاريخ معركة التل الكبير هو يناير 1953 والصحيح يناير 1952. كذلك في صفحة 633 حيث ورد أن الثورة ألغت الأحزاب في 16 يناير 1956 والصحيح يناير عام 1953.

 

المصدر : الوفد – البوابة الالكترونية

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com