الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الأخبار / أثر الديانات السماوية في اللغات الحية

أثر الديانات السماوية في اللغات الحية

 

اللغة العربية

تاريخ النشر : 21/06/2000

جريدة : الأخبار

أرجو أن يسمح لي المختلفون حول الإبداع وحريته أن أنبه الى شيء مهم فاتنا جميعا، فلعل من اهم دروس التاريخ العقلي والفكري للإنسانية أن الدين كان بمثابة العامل الأول والأخير في نهضة اللغات ، ويتضح هذا بصفة خاصة في اللغتين العربية والإنجليزية اللتين هما أقرب اللغات الى استعمال المثقفين في بلادنا، وإن كانت الظروف التي تحققت بها هذه النهضة قد اختلفت في الحالين.

فأما اللغة العربية فقد افادت اقصى افادة ممكنة للغة ما من دين ما ، وذلك إن القرآن الكريم حفظ لهذه اللغة مكانتها وارتقى بها في جميع الميادين ، بل وتطور باللغة نفسها تطورا لم يكن ممكنا بدونه….ويمكن لنا على سبيل الإجمال أن نلاحظ:

1- أن القرآن قد قوى سلطان اللغة القرشية ، وجاء الحديث النبوي هو الآخر بهذه اللغة وهكذا تم اختيار اللغة القرشية ليتوحد العرب حولها ، وأصبحت الألسنة العربية جميعا تنطق هذه اللغة على نحو ما ينطقها القرشيون ، وهكذا تحقق مبكرا مبدأ توحيد لغوي كان من العسير ان يتحقق دون انتشار الدين الإسلامي.

2- تهذيب اللغة العربية وتحولها الى لغة آداب رفيعة ، وقد تحقق هذا كنتيجة طبيعية لوجود نص أعظم كالقرآن الكريم في أدبيات هذه اللغة ، ونحن الآن في نهاية القرن العشرين نستطيع أن نفهم الجدوى الهائلة لوجود نص ما في لغة ما عن موضوع ما ، فما بالنا بوجود نص معجز يتناول الحياة الدنيا وما وراءها بكثير  من التفصيل على نحو فعل القرآن الكريم.

3- وقد أدى هذا بالطبع الى إعطاء اللغة العربية قدرة على الاتساع للحديث عن الأغراض المختلفة (من فنون القول) والمعاني المختلفة المتقاربة والمتباينة وكذلك الأخيلة بكل ما فيها من تشبيه ومجاز والأساليب المتعددة التي أحصى علماء اللغة منها اعدادا متعددة ، ثم الألفاظ نفسها التي أعطى القرآن المثل الأعلى في امكانية تقبلها حتى ولو كانت من لغات آخري.

4- ولأن الإسلام حضارة ، فقد عولجت باللغة العربية قضايا لم تكن قد عولجت بها من قبل كمسائل القوانين والتشريع والقصص والتاريخ والعقائد الدينية والجدل والميتافيزيقيات والإصلاح الاجتماعي والنظم السياسية وشئون الأسرة وأصول القضاء والمعاملات هذا كله فضلا عن كثير من العموميات في مجالات العلوم الطبيعية من فلك وطبيعة وحيوان وطب….الخ.

5- كذلك فان المجتمعات الإسلامية المتقدمة فيما بعد ذلك قد استخدمت هذه اللغة كأداة للتأليف والتفكير والتعقيب في شتى جوانب المعرفة الإنسانية ماهو معروف لنا جميعا ، وكما صارت اليه لغتنا الأن التي لا تعجز عن ان تتناول أي موضوع من موضوعات الحياة العامة حتى ولو اضطرت الى أن تضمن نصوصها وقاموسها بعض الألفاظ الأجنبية او الاصطلاحية.

وقد أفاض الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه " فقه اللغة في بيان أثر القرآن والحديث والإسلام في اللغة العربية " في الفصل الأول من الباب السادس .

كذلك كتب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري رسالة قيمة حول هذا الموضوع ، أما الدكتور ابراهيم أنيس فقدم لنا كذلك في كتابه  العظيم "اللغة بين القومية والعالمية " تاريخ تطور اللغة الإنجليزية حتى صارت الى مكانتها التي وصلت اليها الآن ن ويهمنا من هذا التاريخ الطويل للصراع اللغوي في الجزر البريطانية أن نذكر الجانب المتعلق بأثر الدين في النهضة الحاضرة للغة الإنجليزية.

ويمكن القول بان المصلح الديني " وكليف " كان صاحب الفضل الأوفى في هذا المجال ، فقد كتب باللغة الإنجليزية آثاره الدينية الروحية التي مهدت للنهضة الدينية في عهد الإصلاح  بإنجلترا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر  الميلادي ن ولم تكن حركة الإصلاح هذه في حقيقة أمرها  الا حركة لغوية تدعو  الى ان يتعبد الناس بلغتهم المحلية ( اي الانجليزية) وان يعظهم القسس والرهبان في الكنائس والمعابد بهذه اللغة التي يفهمها الجميع ويعتزون بها….اي أن حركة الإصلاح لم تكن إلا صراعا بين لغة الكنيسة ( اللاتينية) وبين لغة الشعب ( الإنجليزية) ، فكلما حاول بعض المصلحين  ترجمة الإنجيل الى الإنجليزية صودرت الترجمة  فزاد الناس تعلقا بها وإقبالا عليها ن فقد أحس أفراد الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا كذلك بكيانهم اللغوي واستمسكوا بلغتهم الإنجليزية التي عبرت في صدق وأمانة عن أحاسيسهم وعواطفهم وأمالهم التي اصطنعوها في الحياة  والتعامل فأصبحت الصورة الحقيقية لعقولهم وتفكيرهم.

ويذكر الدكتور ابراهيم أنيس ان العهد القديم ترجم عدة ترجمات في النصف الأول من القرن السادس عشرن ثم عقد مؤتمر " هامتون كورت" وانتهى هذا المؤتمر بوضع تلك النسخة المحققة المعتمدة من الإنجيل سنة 1611 م ، وهي النسخة التي لاتزال تقرا ويتعبد بألفاظها حتى الن ، ومن حسن الحظ ان هذه النسخة المعتمدة وضعت في وقت كانت اللغة الإنجليزية فيه قد بلغت ذروة مجدها البياني بعدما ألف " شكسبير " آثاره الخالدة.

ويقول الدكتور أنيس ك ومنذ ذلك الحين أصبح الإنجيل في لغته الجديدة يقراه الغني والفقير صباحا ومساء ن في القصور والمنازل والأكواخ ن وفي السفن وفوق متن البحار، وفي امكنة العبادة على اختلاف انواعها  وشرع الدارسون في تفهم كل سطر من سطوره، ولكل كلمة من كلمات يتناولها بالتفسير والشرح.

كان الإنجيل بالنسبة للناس بمثابة مدرسة يستمدون منها معرفتهم ويشع نورها على عقولهم ، فلم ينل منه مر الأيام والعصور ولم يتطرق الى أساليبه إهمال او نسيان ، بل ظلت كلماته على كل لسان ، وقد نقشت في الصدور والأذهان.

واصبح الإنجيل بمثابة الكتاب الذي صان الإنجليزية (على حد تعبير الدكتور ابراهيم أنيس) على مر الأجيال ، ليس فيه كلمة لا يعرف معناها الإنجليزي المثقف سوى بضع كلمات من اصل عبري ن وكل أساليبه تعد في الذروة من البيان الإنجليزي ، وهو النموذج الأدبي الذي يتطلع إليه المتكلمون باللغة الإنجليزية وسيظل الناي في إنجلترا وامريكا واستراليا وكندا يصطنعون لغة واحدة طالما ثابروا على قراءته  والاستماع لنصوصه ، وفي مثل هذا ضمان لاستمرار الوحدة اللغوية بين هذه الشعوب.

وهكذا نرى أن نصوص النسخة  المعتمدة من الإنجيل قد ارتبطت ارتباطا وثيقا بعقيدة الإنجليز فأصبحوا ينظرون إليها  كأنما هي من الوحي الإلهي، وأصبحوا في هذا قريبين مع الفارق من موقف العرب من القرآن الكريم الذي وحدهم ووحد لغتهم قبل قرون ، ولم يأت  القرن الثامن عشر إلا وكانت أوروبا قد بدأت تحس بالأدب الإنجليزي….ثم كان ما نعرفه جميعا من تقدمها الى المكانة الأولى بين اللغات الأوروبية واحتلالها موقع اللغة العالمية الأولى.

وقد أردت بالاستفاضة في ذكر هذين النموذجين للغتين الأوليين في حياتنا أن انبه الى القيمة العظمى التي يمكن للغة ان تؤثر بها في التفكير القومي ، وهو موضوع بات محل مؤامرة يعرفها الجميع ، ويستنكرونها ، فلا يزداد المتآمر إلا علوا في الأرض وفسادا وصلفا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا شره ، وأن يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات