الرئيسية / عن الجوادي / عن الجوادي / أبو الحسن الجمال يكتب عن “أصحاب المشيختين” للدكتور محمد الجوادي

أبو الحسن الجمال يكتب عن “أصحاب المشيختين” للدكتور محمد الجوادي

 

 

ابو

 


نالت مؤلفات الدكتور محمد الجوادى، المؤرخ والباحث، إعجاب كافة أطياف المثقفين، لقد سدت أعماله الثغرات، وأضافت الجديد للمعرفة، تميزت بموسوعيتها وقيمتها الفريدة …بدأ الكتابة مبكراً وهو طالب يدرس الطب ويفوز أول مؤلفاته عن "محمد كامل حسين" بجائزة مجمع اللغة العربية وهو لم يبلغ العشرين بعد، وعرفته الأوساط الثقافية، وأشاد به الجميع ، وقد كان للدراسات الإسلامية والأزهر نصيب فى مؤلفاته فله:" كلمات القرآن التى لا نستخدمها"، و"المسلمون والأمريكان فى عصر جديد"، و"الشيخ الظواهري والإصلاح الأزهري"، وهذا الكتاب الذى نستعرضه اليوم وهو "أصحاب المشيختين : سيرة خمسة علماء جمعوا بين مشيختى الأزهر والإفتاء" وهم الشيخ محمد المهدي العباسي المولود عام 1827، بدأ مفتياً، ثم جمع الإفتاء إلى مشيخة الأزهر سنة 1870، ثم ترك المنصب عند قيام الثورة العرابية عام 1882 ، ثم عاد إليه بعد نهايتها ، وبقى فيه حتى 1887، ثم ترك المشيخة غير آسف، وبقى مفتياً حتى توفى 1898.


 ويرصد الجوادى سيرة هذا الإمام العالم الذى عينه الخديوي إسماعيل شيخاً للأزهر، وكان يجله كثيراً ويقدره وأوصى ابنه توفيق الذى تولى مصر بعد خلعه بالاهتمام بهذا الشيخ ، فاستغل الشيخ العلاقة المتينة وأخذ يهتم بالأزهر وعمل على تطويره، فأول ما أنجزه هو سعيه لإعادة ما كان لأهل الأزهر من المرتبات الشهرية والسنوية وكان فضل الشيخ المهدي على التعليم الأزهري وإصلاحه وتنظيمه وقد استصدر أمراً من الخديوي بوضع قانون للتدريس فأجابه إلى ذلك ووضع قانون الامتحان، فكان أول من نظم الامتحانات فى الأزهر ، إذ كان علماء الأزهر قبل ذلك لا يمتحنون وغنما كان الواحد منهم إذا تأهل عرض نفسه على الطلاب، وتصدر له فى درس يلقيه شيوخه وغيرهم من كبار العلماء ومازال يذكر مناقبه وفضله ومن المواقف المشرفة له وقوفه فى وجه الخديوي إسماعيل لما أراد أن يستولى على أراضى الأوقاف الأهلية ويعوض عنها أهلها بما يقوم بمعاشهم فاستفتاه فلم يوافق، ويذكر التاريخ للشيخ المهدي وقوفه إلى جانب محمد عبده فى امتحانه ، فلولاه لتكاثر الأساتذة الأزهريون على محمد عبده وحرموه من النجاح فى الشهادة العالمية وقال للجنة الامتحان: إنه لم يرى أذكى ولا أنبه منه وصمم على منحه العالمية من الدرجة الأولى.





 ثم يعرج المؤلف لتناول تاريخ الإمام الثانى الذى جمع بين الإفتاء ومشيخة الأزهر وهو الشيخ حسونة النواوى المولود عام 1840، وعين شيخاً للأزهر عام 1896، ثم أضيفت إليه وظيفة المفتى بعد عامين إلى أن استقال من المنصبين بشموخ وكبرياء عام 1899، ثم يعين مرة أخرى شيخاً للجامع الأزهر عام 1909، ثم يستقل ويتفرغ للدعوة ولقاء الناس حتى رحيله عام 1924 ، ويسجل المؤلف أهم إنجازات الشيخ النواوى بعد أن تناول حياته بشيء من التفصيل والإسهاب – الذى اتفق مع اتجاهات الإمام محمد عبده الداعية إلى التجديد والإصلاح، ونجح النواوى فى أثناء توليه المشيخة فى إصدار قانون الأزهر المعروف بقانون1896، الخاص بمواد الإصلاح التعليمي الأزهري وكان هذا القانون خطوة عبقرية وسابقة لزمانها فى سبيل الإصلاح التعليمي وكان أهم جوانب هذا الإصلاح هو تقسيم مراحل الدراسة بالأزهر من خلال تنظيم الامتحانات وهو ما قضى بان تكون الدراسة الأزهرية على مرحلتين، المرحلة الأولى تؤهل للوظائف، والمرحلة الثانية هي التى تؤهل للحصول على العالمية، كما تحدث المؤلف عن كتاب الشيخ حسونة الأشهر"هداية المسترشد فى أحكام اللغة والدين" الذى ألفه فى جزأين كبيرين لطلاب مدرسة الإدارة "الحقوق"، وينقل الجوادى عن الدكتور محمد رجب البيومى أن حسونة النواوى كان أول من ألف كتب فى الفقه الإسلامي على النظام الحديث بعيداً عن منهج المتون والحواشي ، وأنه كان رائداً لمن جاء بعده من أساتذة الحقوق وهم كوكبة من كبار الفقهاء المشهود لهم بالتأليف الفقهي فى هذه الكلية، فى طليعتهم الأساتذة الكبار: محمد زايد الإنبابى، وأحمد إبراهيم، وعبدالوهاب خلاف، ومحمد أبوزهرة وغيرهم …  

   
ويعرض المؤلف موقفه الرافض لإبطال الحج فى العام الذى شهد فيه انتشار وباء الكوليرا فى القطر المصري ورأى مجلس النظار أن يبطل الحج فى هذا العام بدعوى الخوف من عودة الوباء بعد انتهائه وطلبت فتوى الشيخ، وقد أدرك الشيخ النواوى أن فتح باب الإبطال لأول مرة فى تاريخ مصر يكون مدعاة لتكرار هذا فيما بعد لأية علة من العلل المحتملة ، فعارض ذلك بشدة فى البرلمان وتبعه الأعضاء على ذلك الرفض.
ويتناول المؤلف سيرة الإمام الثالث الذى جمع بين الفتوى والمشيخة، وهو الشيخ العلامة عبدالمجيد سليم، المولود فى عام 1882، عين مفتياً فى عام 1929، ثم يعين شيخاً للأزهر وهو أشجع علماء الأزهر فى القرن العشرين وأكثرهم جرأة وصراحة، فقد جمع الشجاعة الأدبية إلى التفوق العلمى والفقهي حتى أن معاصريه كانوا يعدونه الفقيه الأكبر، وقد نجح الشيخ عبدالمجيد سليم فى أداء وظيفة الإفتاء نجاحاً منقطعاً النظير وقد ساعده على هذا طول فترته، وطبيعة زمنه، وتفانيه فى عمله، وقد بلغ إخلاصه فى أنه كان يقضى أياماً كثيرة فى مراجعة فتوى واحدة، وكان يقرأ كتب السابقين فى كل مذهب ، كما كان يطيل المراجعة المتأنية فى الآراء المتشابهة محاولاً التوفيق بين ما يتعارض من النصوص ويشتبه من الأحكام، وينقل المؤلف عنه المواقف المشرفة التى تدل على شجاعة الرجل وإيثاره قول الحق، ومنها محاولة مدير الخاصة الملكية وبإيعاز من الملك أن يستبدل ببعض ممتلكاته العقارية الجديبة، أرضاً خصبة من أملاك الأوقاف فأعلن الشيخ فى شموخ قول الحق بأن الاستبدال باطل، وتلقى وهو فى منصب الإفتاء عن حكم الشرع فى رجل يراقص النساء ويشرب الخمر وذلك بعد حفلة صاخبة أقامتها إحدى الأميرات وحضرها الملك فاروق، ونشرت بعض الصحف صوراً لبعض ما كان، وقد أدرك سليم من المقصود بالفتوى، فلم يؤثر السلامة وإنما جابه المخطىء بانحرافه.  


ويستمر الجوادى فى الغوص فى أعماق التاريخ ليستخرج الدرر، ويفرد للشيخ حسن مأمون الذى جمع أيضاً بين الفتوى والمشيخة، وجاء فى فترة عصيبة كانت الدولة تشجع الإلحاد وتعين الملحدين فى المناصب الذين كانوا يسخرون من الأديان ومن قيمنا الأصيلة لأنها فى نظرهم أفيون الشعوب ، فلم يترك الشيخ منصبه وإنما تعامل مع الأمر بشيء من الحكمة والتعقل وهو الذى أفنى عمره فى القضاء الشرعي، فكان يزن الأمور بميزان … ومع ذلك لم يوافق الدولة أو البعض فى الزعم بان الإسلام دعي إلى الاشتراكية وأعلن أن الإسلام فوق المذاهب السياسية التى وضعها البشر وأن وجود شبه بين الإسلام وبعض المذاهب السياسية لا يعنى أن الإسلام هو روح هذا المذهب أو ذاك"، ويقف الشيخ متحفظاً ضد بعض توجهات الحكومة المندفعة فى قضايا تنظيم النسل، ولكنه لم يدع إلى التحريم، وعلى الرغم من التهميش الذى أصاب طوال عقد الستينيات نتيجة للبطش الذى كان يوأد أي رأى حر، إلا أن الرجل استطاع أن يعبر هذه المرحلة بنجاح.


 ثم يختم حديثه بسيرة الشيخ جاد الحق على جاد الحق (1917- 1996) والذي عين مفتياً عام 1978 وبقى فى منصبه حتى عام 1982 حيث اختير وزيراً للأوقاف وبعد أسابيع معدودة اختير شيخاً للأزهر وبقى فى هذا المنصب حتى وفاته فى سنة 1996 وهو الوحيد بين هؤلاء الذى توفى وهو شيخ للأزهر، وفى عهده المجيد الذى استمر قرابة 14 عاماً تمتع الأزهر وشيخه بسمعة عالية، ووقف يؤيد المجاهدين الأفغان فى حقهم المشروع فى الدفاع والجهاد ضد العدو الأحمر، ويؤيد ويعضد مجاهدي البوسنة والهرسك ويندد بالعدوان الصليبي الغاشم على الشعب البوسنوى الأعزل، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي الذى خر كالثور الذبيح يعقد الإمام الأكبر مؤتمر الأزهر العالمي حول المسلمين فى آسيا الوسطي والقوقاز، ووقف الشيخ وجنوده يكشفون عن مزاعم العلمانيين الذين كانوا يبثون آرائهم العجيبة والغريبة . 


وبعد، فقد استطاع الجوادى أن يوفى حق هؤلاء العلماء الذين بذلوا قصارى جهدهم فى الارتقاء بعملهم فى الإفتاء وفى مشيخة الأزهر، ونقول الأمر معقود فى الأيام القادمة على دور الأزهر وتقديم الحلول التى تجمع شمل الأمة كما كانت قوية فى الماضى .. 

نشر في صحيفة " المصريون "

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :