الرئيسية / عن الجوادي / أ.د.كمال إسماعيل يكتب: أسلوب الكتابة في نص الدكتور محمد الجوادي

أ.د.كمال إسماعيل يكتب: أسلوب الكتابة في نص الدكتور محمد الجوادي

image

 


النص الجوادي في قطاعه الدال نسق رمزي لغوي راشد، يتعهده عقل رائد في زهاء فضاء الصفحة بالمراقبة الكافية، والنقد، في بنائه الخافي، الكامن ، الخططي، وذلك المنظور، الظاهر بالخط والشهود. يجتمع ذلك العقل لشتي ذرات الكتابة وركائزها، بداية من الكلمة المفتاح، فالجملة ، فالنقطة، أو الفاصلة، أو التركيب، فالفقرة، فالكلام بإجماله، أي من النُصيص الأصغر، إلي أكابر النص، بما يزرع وقفة لتأمل الأسلوب القاطر للأفكار والآراء، والمحقق لمشهد من الوجاهة واللباقة والحضور، كما لمسنا في سلسلة الأعمال المتنوعة من أعلام العرب، إلي التجربة الذاتية، إلي الرسائل، إلي رموز التاريخ الإسلامي، إلي الرحلات ، ثم في نروة كتاباته «شمس الأصيل» الصادر منذ خمسة أعوام.


الجديد في نص الجوادي :


يعمل هذا العقل المساند لساحة النص علي إكسابه الفسحة الكافية للحوار والجدل والإسهاب، يقصد للشرح بعد الإيجاز باللمح، فالجملة المتجددة الطويلة تراد للفكرة الظمأي إلي الزرع والثبات، والاختزال يجري لما يقابله في الواقع من العفو، وغض البصر، أو الإهمال، كما أنه لا ينبعث بداية إلا لما يستأهل شرف الكتابة، وخير الكافة، فهو ينهض بمحو الأمية الثقافية علي شتي الأصعدة، وعلي رأسها صعيد الكتابة ذاتها، والجزاف منها، فالكاتب العاقل، أو الذاهل، أو الجاهل بما يكتب، وبأغواره البعيدة، ودرجاته وطبقاته، مفقود وممحو وجوده من مدونته، وفكرته المقصودة محاصرة ، محصنة بمحاضرة دقيقة، وبضوابط لغوية تعصمها من أن تشتبه بأفكار مشتقة، أو مشتتة، أو سطحية مشاعة، تسبح في عوام الكاتبين، أو تشدها لغيرها في العقل العام، فمدونته عن رموز النهضة من رجالات السياسية، أو الطب، أو الشريعة، تمتاز بالاستقصاء الشديد، والتحري، واستقبال الخبر من أمهات الكتب، ومن الآثار الملموسة الوثيقة، ولقد ينتخب العبقرية المنسية الشاردة عن التاريخ ليؤصل لها تاريخا مستحقا، ويضع حسناتها السابقة السلسة، بفعل موزن سالف مكذوب مرحلي، في ميزان منصف، تحكم كلتيه الحيدة، والعدالة، والأمانة، ورجم الشائعة، فهو يحترم النقل والعقل، دون المشافهة السوداء، أو الكسلي النئوم.
 
التعليم في النص الجوادي:





نلحظ دفترا، أو قلم رصاص، وسبورة خافية، وإصبعا من الحكك، ومحاضرة أستاذ لتمليذ هو القارئ، في مشترك دلالي من بحر اللغة الذي يغترف منه الناص، دون أن تنفد موارده، والأستاذ ذاته بغزير علمه يتتلمذ علي القارئ، حين يشركه في نصف المقولة، أو ربعها، أو ثلثها، دون أن يتأثر بقطار النص وبأعنّته وحده، وبرسوبه في موقف أو محط، فالنص لا يهدف إلي تسويق اللغة، لأجل اللغة، بل للفائدة التي تغياها الكاتب العربي، في الجاحظ، والمبرد، والطبري، ثم طه حسين، والرافعي، وقد سبق أن وضعها هو راس الروماني مع التسلية بين قوسي الرجاء والمقصد من الكتابة الشعرية.
يقول الدكتور محمد الجوادي: «في الثانية عشرة تماما، وقبل أن تنقضي ثلاث ساعات علي بداية نومي، كنت أستيقظ بسبب ما نسميه الساعة البيولوجية التي في أجسامنا، هذه الساعة البيولوجية لا تعرف فروق التوقيت، ولا يمكن تحريك عقاربها بهذه السهولة التي ضبطنا بها ساعاتنا».


ترادف العلم والإيمان:


إن لب الجدوي في النص الجوادي يكمن في جهازه الصياغي الإرسالي، وهو جهاز استقبال أيضا لحقائق الوجود دون استباحة لمرعيات الدين، والأخلاق، والأعراف، في مغايرة للغرور العلمي الغربي، الذي ورث المنجزات العربية الإسلامية، وما كاد يبلغ سن الرشد أو يتوهمها في القرن الثامن عشر، حتي جاوز الرشاد في خيبات متتالية سعي فيها أن يشاهد القوة الخالقة عن طريق المنظار المقرب للتليسكوب في إحدي إضحاكيات الغرب الشهيرة.
إن مضمون النص الجوادي يفكك أسطورة العالم المتحضر ، وما أسميه الدول المتقدمة، أو قيادة العالم الأحادية العظمي، حين يدخل بنا إلي بناء وحداتها الصغيرة المشكلة لمظهرها المتصالح العام، يقول في تداول مع القارئ:
«دعني أتحدث إليك في قطاع الطب.. تصور لو أن قسما من الأقسام في أي مستشفي من المستشفيات الأمريكية قد استبعد من أطباء هذا القسم أولئك الأوروبيين والشرقيين والعرب، واللاتينيين (أي القادمين من أمريكا اللاتينية)، أي كل الذين حصلوا علي شهادة المعادلة قبل أن ينخرطوا في الطب الأمريكي، واحصر هؤلاء واستبعدهم من العمل في هذا المستشفي، ستجد أنك ربما تختزم القسم إلي أقل من نصفه».

مجلة : المنهل السعودية

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

تعليق واحد

  1. إنه حقا الجوادى مفكرا وعالما .. رزقه الله الحكمة والتواضع
    ورزقه الله خطبة فى الأقصى ونور الله به القاهرة قريبا
    آمين آمين آمين