مقدمة

التعريف بالدكتور محمد الجوادي

كتبه في ديسمبر 2012

image

د. محمد الجوادى علم مضئ في الثقافة العربية  بما تحظى به مؤلفاته  وكتاباته وبرامجه الاذاعية والتلفزيونية وإسهاماته العامة والاكاديمية  من الاحترام والتقدىر والإقبال  والذيوع  حتي بات أبناء الجيل الجديد في العالم العربي ينظرون  اليه مثلا اعلي للثقافة الجادة و المحبوبة ، المعتدلة والمتوازنة وبخاصة وهم يجدونه يفوقهم نشاطا و دأبا حتي في  مواقع التواصل الاجتماعي  وقد عرف اسمه في هذه المواقع بلقب "ابو التاريخ".

وفيما قبل هذا فهو نموذج  مشرف للثقافة الأصيلة في آفاقها العالية التي يستشرفها عالمنا العربي في سعيه الدءوب نحو إثبات الذات  ، وقد عرفته الأوساط الثقافية مفكرا واسع الأفق مواكبا للألفية الثالثة فى تجلياتها المعرفية والتكنولوجية ، وقد استعانت  الفعاليات السياسية و المناقشات التأسيسية الراهنة بما قدمه من إسهام فكرى ومعرفي  .

رزق التوفيق المبكر فنذر حياته للثقافة العالية في توازن دقيق ونادر بين العلم والفن، وليس من قبيل المبالغة القول بانه قد نال في الميدانين أقصي تقدير جماهيري متاح لأقصي تفوق  بشري ممكن. وقد تعددت إسهاماته العلمية والفكرية فى روافد متعددة غذت هذا التوجه ، بتقطير الفكر والثقافة والمعرفة من خلال أستاذيته في الطب ، ومؤلفاته ذات القيمة الرفيعة التي بلغت حدا غير مسبوق في طيفها الواسع واهتماماتها الممتدة ، وطبعاتها المتعددة، وعنايتها  الفائقة بالتدقيق والتحقيق، والتوثيق والببليوجرافيا، والاحصاء والمقارنة.

وفوق هذا فقد طورت أفكاره المتجددة من  معارفه المتعددة فى اتجاه العناية بقضايا التنمية وبناء الدولة فى المجتمعات العربية موظفا كل معطيات الثقافة الرفيعة لخدمة الارتقاء المجتمعي والتقدم الحضاري باسلوب فريد لم يتح لغيره بذات القدر ، مما جعله نبراسا للاشتباك الفاعل بين الثقافة والحياة،  وفي هذا الصدد فقد  كتب تاريخ وطنه فى العصر الحديث من زوايا متعددة محصت ماآلت إليه التوجهات الوطنية فى محيط الدولة والحكومة ، والتنمية ، والحركة الوطنية ، والعلاقات السياسية ، والمؤسسات العسكرية والأمنية ، والعلمية ، والطبية ، والدينية، والإعلامية كما انتقى فى كل هذه المجالات رموزاً للشخصيات المحورية التى مثلت حياتها تطورات مفصلية فى حياة وطنها ومجتمعاتها فكتب سيرها بأسلوب علمى وأدبى متفرد مؤرخا بذلك لبناء الدولة ، والمجتمع ، والمواطنة ، والمشاركة مع العناية بقضايا البناء الداخلى والسياسات التنموية . وقد أسس لمنهج مبكر فى تناول مصادر التاريخ من خلال المذكرات والروايات والأحاديث والحوارات  بعد نقدها ومقارنتها . وهو رائد طريقة علمية في تسجيل تاريخ الحكومة ومؤسساتها على صعيد البنى الوزارية ، والوزراء ، والتشكيلات الحكومية ، والنخبة الحاكمة ، والمحافظين ، وآليات الصعود.وبالإضافة الي هذا فقد أسهم بدراساته فى تحليل صناعة القرار السياسى ، وتطوير قواعد التنبؤ السياسى ، و استعراض الوجهات المتناقضة  للعلاقات الدولية  كما قدم مجموعة قيمة وغير مسبوقة من الدراسات التنموية الأصيلة والمستقلة فى المجالات التى صقلت خبراته العلمية فى التربية والتعليم ، والجامعة ، والبحث العلمى ، والصحة ، والمحليات ، والإعلام ، والمعلومات ، والثقافة .

ولاشك في أن إنجازه  فى أدب التراجم إنجاز غير مسبوق إذ ترك إنتاجا غزيرا رفيع المستوى رحب الآفاق متمتعا بأرفع السمات الفنية الدقيقة كما أن له أسلوبين متميزين ومبتكرين فى مجالي  » الوجدانيات « » وأدب الرحلات « ، إذ قدم نمطاً جديداً لتناول التجارب الإنسانية بحس عصرى يعكس ملامح الطبائع الجديدة التى باتت تسيطر على الحياة الإنسانية وتصبغ الروح البشرية بمسحة آلية بارزة تسيطر على الوجدان.  و تميز في الوجدانيات بأسلوب    الرسائل القصىرة التى تعنى بتحلىل جانب واحد من جوانب العلاقات الإنسانية على نحو ما يفعل علماء الحياة أما فى كتابة الرحلة فقد ركز على علاقة الإنسان بالحضارة ،  فى مقابلة مع الأسلوب الشائع الذى يٌعنى بعلاقة الإنسان بالطبيعة. كما أنه من أبرز كتاب المقال الأدبي والصحفي المعاصرين، وسجله الببليوجرافى حافل بالمئات من المقالات الصحفية والعلمية المستوفية لكل المقومات الفنية للمقال المتميز بناء وموضوعا، وقد طوّف فى مقالاته بآفاق متعددة واسعة باقتدار وتمكن من أن يمتد بالأدب إلي نقد وكتابة التاريخ بعبارة مشرقة الديباجة دقيقة الدلالة ، و إلي مناقشة قضايا الحياة العامة بأسلوب غني بالتصوير الفني .




وقد عُنى بالفن الصحفى عناية فائقة، و يٌذكر له إسهامه البارز فى المساعدة على إنشاء قسم الإعلام بجامعة الزقازيق ، ومحاضراته عن الصحافة العلمية والمدرسية، و دراسته الرائدة عن مجلة الثقافة، وهى دراسة فريدة فى التأريخ لحياة مجلة ثقافية أدبية، وتحليل مضمونها، والتعريف بكتابها، وفهرسة موضوعاتها ومقالاتها.

كما أن له كثيرا من الدراسات التى تناولت دور اللغة فى الحياة ، وقد نشر كتاباً عن كلمات القرآن التى لانستعملها، كما نشر كثيراً من المقالات والدراسات عن اللغة فى عصر المعلومات، وعلاقة الفكر باللغة، ومكانة اللغة من التعليم العام، ودور اللغة فى القومية، وتوظيف العلوم الحديثة لخدمة اللغة، كما اشترك  فى وضع قاموس طبى رباعى اللغة،  وهو قاموس ضخم وغير مسبوق (خمسين ألف مصطلح طبى).

وقد أسهم  بجهد وافر فى الثقافة العلمية وتعريب العلوم، وله كتابان مرجعيان عن أمراض القلب الخلقية، وقدر لا يستهان به من الدراسات والفصول المترجمة وغير المترجمة. وهو الذي تولي إعداد الببليوجرافيا القومية للطب المصرى كما كان من المترجمين العرب لكثير من الانتاج العلمي في الميادين البحثية البازغة التي كانت بحاجة إلي وضع المصطلحات الجديدة، وهو الجهد الذى واصله بتوسع من خلال عضويته في مجمع اللغة العربية  .

وعلي وجه العموم فقد تميز أسلوبه الشفاهي والكتابي بقدرة  فائقة على تحليل النصوص بطريقة علمية تشريحية تستهدف الوصول إلى الفكرة الصائبة والأحكام المتزنة، ولا تقف بالطبع عند التحليل والتشريح.  وقد عُنى فى كل أعماله بالفصحي وسلامتها، والإملاء ودقته، والإخراج وجماله، والتوثيق ومصادره، وتميز بالأمانة المتناهية فى نقل النصوص ونسبتها إلى أصحابها، ومعرفة الفضل لذويه، واحترام الآخر، وتقدير القيمة، والإحساس بالوطن، والانتماء للمجتمع، وإدراك الحق والخير والجمال.

ومن الحق أن يقال إنه مارس كل الفعاليات الثقافية باقتدار ونزاهة: منتجا ومنشئا ، كاتبا واستاذا،  ناشرا ومحاضرا، محققا ومحكما  وكما كان رائدا في النشر العلمي والطبي  فقد كان رائدا في النشر الثقافي والأدبي  ، وفي الميدان الاول يكفي ان نشير الي انه تولي منذ ربع قرن وحتي الآن مسئولية اكبر مجلة طبية شهرية  في العالم العربي  إضافة الي اسهاماته البارزة  فى إصدار أكثر من مجلة علمية أكاديمية متخصصة؛ أما في الميدان الثاني فيكفي ان نشير الي انه في العام الذي تولي فيه الاشراف علي النشر في هيئة الكتاب ومكتبة الاسرة قدم اكثر من مائتي قيمة ثقافية من عيون التراث القديم وكنوز القرن التاسع عشر والعشرين حتي ان كل ما نشر في عهده كان ينفد بأكمله في اسبوع صدوره ، وبالإضافة إلي هذا فإنه لم يبخل علي أي مؤسسة عامة أوخاصة بخبراته أواختياراته  واستشاراته.

ولا شك في أنه يبذل جهده في عمل مفرط فى دأبه وتركيزه وغزارته جاوز به صاحبه حدود طاقة البشر  فى الإنتاج الغزير المثمر المنظم حتى ليوصف بأنه فدائى نادر يستحق كل تمجيد وتكريم ودعاء ، وإن كان مصباحه قد استنفد وقوده ، وبات يعاني آلام المرض المبرحة.

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com