المال العام

 

roza1

 

 

 

 

 

 

 




تاريخ النشر : ٢٠١١/٧/٩

منذ أدخلت الدولة نفسها فى إدارة المال العام.. وهى تعانى، ومن العجيب أن معاناة الدولة لم تنشأ إلا من أخطائها، وبالتحديد من أخطائها المقصودة.

وأول هذه الأخطاء المقصودة هو تعيين غير الأكفاء فى مواقع المسئولية المتقدمة، سواء فى ذلك المسئولية الفنية، أو المسئولية الإدارية والمالية، ومن العجيب أن الشعب أو العاملين أو المتعاملين نبهوا الحكومة فى كل حالة من حالات الفساد التى شابت أداء قيادات مسئولة عن المال العام، لكن الحكومة فى رياستها العليا كانت تنظر إلى الأمور نظرة استخفاف فى كثير من الأحيان، ونظرة إجرام فى الأحيان الأخرى. وتحفل مذكرات وذكريات كل من كتبوا تراجمهم الذاتية بمعاناتهم مع هذا الفساد، ومحاولاتهم وقفه عند حده، لكن استجابة الدولة كانت سلبية فى الغالب، بل كانت تعلن بكل وضوح عن تأييدها للفاسدين، وعلى سبيل المثال بوسع القارئ أن يعود إلى ما لخصته فى كتابى «محاكمة ثورة يوليو» من تقارير النائب العام محمد عبدالسلام عن الفساد الضارب بأطنابه فى القطاع العام فى الستينيات، كذلك فإن بوسع القارئ أن يقرأ ما أوردته على لسان اليساريين أنفسهم من ضجيج متصل بما كانوا يرونه من فساد ممنهج فى القطاع العام، وقد نقلت فى كتابى «تحت الأرض وفوق الأرض» ملخصا لتجربة الدكتور رءوف عباس مع واحد من أقارب كبار المسئولين فى عهد الرئيس عبدالناصر نفسه. وفى كل الأحوال فإن الأمر ترك فى يد المحاسيب والأقارب والأنصار والمتصلين بالأجهزة السرية، كى تعبث فى القطاع العام وغيره من مؤسسات المال، وقد وصل العبث إلى الحد الذى لخصه قول منسوب إلى أحد الرؤساء حين عين أحد مساعديه فى شركة كبيرة، وقال له: «عندك هذه الشركة اسرق منها ما تشاء.. كما تشاء.. أينما تشاء.. وكيفما تشاء..».. وقد عمل الرجل بالنصيحة. وقد قال أحد العقلاء: «لقد كان فى وسع الدولة أن تمنح محاسيبها معاشات واستثناءات ضخمة وتنقذ القطاع العام فى الوقت ذاته، وتحافظ على المال العام أيضا»، لكن واحدا ممن هم أكثر اتصالا بالحياة الواقعية رد عليه بقوله: إن هذا الإفساد كان مقصودا لثلاثة أسباب مختلفة: السبب الأول شغل الناس بالفساد ثم بالإصلاح والإيحاء بأن هذا من طبع الحياة وأن المسئولين لا يكفون عن بذل جهدهم من أجل الإصلاح.. وهو سبب وجيه بالطبع. السبب الثانى: إفساد مؤسسات ترى الدولة فى إفسادها مصلحة مهمة لها لأنها تستفيد من هذا الإفساد فى الدعوة إلى مبادئ جديدة تتفق مع آلياتها فى الحكم، وعلى سبيل المثال والاختصار المقرب للصورة فحسب، فإن الانفتاح على سيارات العالم لا يمكن أن يتم إلا مع إفساد صناعة السيارات الوطنية، والصناعات المغذية لها، وإلا كان الانفتاح سفها.. مع أن صناعة السيارات ليست كيمياء.. ولا سرا حربيا كبيرا. السبب الثالث: فتح الباب أمام طاقات الصراع السياسى والاجتماعى العائلى كى تفرغ طاقاتها فى هذه الصراعات المحلية والإقليمية هنا وهناك، على نحو ما كان يحدث مع عيسى شاهين فى الإسكندرية، أو فؤاد أبوزغلة فى حلوان، أو البكرى فى المحلة، وهى صراعات دفعت الشخصيات البارزة ثمنها، كما دفعت الصناعات البارزة ضريبتها. هكذا كان المؤرخ للحياة الاجتماعية يرى الفساد المرتبط بالمال العام حتى حدثت ثورة 25 يناير فكشفت عن حقيقة أهم من هذا كله، وهى الحرص على نشر جو الفساد حتى لا يصبح هناك إنسان غير فاسد، وحتى يصبح الفساد هو المنهج المسيطر على الحياة الوظيفية فى كل مجال، حتى إن بعض المهن تتقاضى مقابل عملها 40 ساعة يوميا، مع أن اليوم فيه 24 ساعة فقط، وبعض المهن الأخرى تتقاضى مقابل عملها مائتى ساعة فى اليوم، بل ومائتين وأربعين ساعة فى اليوم، وأعرف موظفا كان حريصا على أن يصرف لنفسه أجرا إضافيا يوازى ألفا فى المائة من راتبه الإجمالى، هذا بالإضافة إلى سرقاته الفاحشة ولايزال يتمتع بموقع متميز فى وزارة ثقافية. فإذا كان هذا الفساد سائدا على مستوى الوظائف العامة، فما بالنا بما كان سائدا على يد الوزراء الذين أغاروا على مصر كى يستنزفوها تماما، حتى إنهم فى لحظة من اللحظات كلفوا بيت خبرة استشاريا بتقييم الأصول المملوكة للدولة، بما فيها قناة السويس، والقصور الكبرى، والمبانى الحكومية وكأنهم كانوا يريدون شراءها مقابل كوبونات يوزعونها علينا من أجل أن نحصل على الزيت، والسكر، والبوتاجاز، حتى إذا ما فرغت الكوبونات فتحوا لنا أبواب المقابر الجماعية التى كان أحد الوزراء من رجال الأعمال قد بناها تحسبا لهذا اليوم الذى كان هؤلاء المجرمون ينتظرونه.

 

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com